الرهينة الأدبية

الأربعاء 2018/01/17

أكبر رزء يمكن أن يعترض كاتبا عربيا، أن يجد نفسه مختطفا، دون إرادته، إلى انتماء لم يختره، وأن تصادر صفته، بوصفه شاعرا أو روائيا أو مسرحيا أو قاصا، لتلصق بكيانات معادية له، ولجوهر عقيدته الإبداعية، ولمضمون ما يسعى إلى إشاعته من مبادئ إنسانية، ملازمة لكل أصناف التعبير الحقيقية. أقول هيئات معادية لأنه لا يمكن تصور منظومة “الاتحادات” التي تسعى لتمثيل الكتاب العرب، مشرقا ومغربا اليوم، إلا بوصفها سطوا على إرادات الإبداع، ورهنا لصفات الكتابة، لتلحق بهيكل تسلطي، بات دوره الأساس سلب الكتّاب وجودهم الحر.

وسرعان ما يصير هذا التمثيل القسري مدخلا للمباعدة بين الكتاب العرب وما يشترطه انتماؤهم لحقل الكتابة من مناصرة للقضايا العادلة في العالم، وتحويل لكياناتهم الرمزية إلى رهينة مؤبدة لدى جهاز من الكتبة الافتراضيين من محدودي المواهب والمفتقدين للحس الأخلاقي.

أتذكر يوما كيف ساجلني أحد طلبتي عن فضائح اتحادات الكتاب، معتقدا أنها في النهاية هيئات تمثل الجميع، من عبدالرحمن منيف إلى صنع الله إبراهيم، ومن سعد الله ونوس إلى عبداللطيف اللعبي ومن إلياس خوري إلى محمد أركون،.. استغرق مني الأمر شرحا طويلا لبيان أن الأمر لا يعدو أن يكون تلفيقا صوريا، من مخلفات زمن هيمنة الأطروحات العقائدية على الممارسة الأدبية والفنية والثقافية، تلك التي أحسنت استغلالها الأنظمة الفاشية.

والقصد في النهاية، هو إنتاج ذرائعية تحابي التسلط، وتستخلص عن ذلك منافع مادية. ومن ثم يمكنك أن تجد عددا كبيرا من الألقاب المنتحلة من الشعراء والروائيين والنقاد والقصاصين، لتوطين اللامعنى، وإفقاد الآداب والفنون رمزيتها، وتعويمها في مستنقع ضحل.

واليوم حين يختار الكيان المسمّى “اتحاد الكتاب والأدباء العرب” عقد اجتماعه في دمشق، على أنقاض بيوت المبدعين السوريين المدمرة والمصادرة، فإنه لا يناصر الجلاد فقط، وإنما يغدو جزءا من شريعة الاحتلال، ويجعل كل القضايا التي ينحاز فيها الكتاب العرب لصفوف الضحايا غير قابلة للتصديق، لدى قاعدة عريضة من المتلقين، بل ويسهم في تسفيه كل نقاش نزيه عن فلسطين وسوريا واليمن وليبيا، والإرهاب الديني، والدكتاتورية، والاحتلال..، لن تصدق الأجيال القادمة كل تلك المزاعم عن “التنوير” و”المدنية” و”الممانعة” و”المقاومة”، بعد أن استعملت لتبرير الجريمة، ولن يثق أحد في عمل أدبي يستند إلى مضامينها الإنسانية النبيلة بعد أن رهنها من لا يؤمن بها لدى من لا يستحقها.

كاتب مغربي

15