عزف على جماليات الجسد والسكون في "يوميات دفتر الأحوال"

في معرضه المستمر حتى نهاية شهر يناير الجاري في قاعة “قرطبة” بالعاصمة المصرية القاهرة يبدو الفنان التشكيلي المصري أشرف رسلان مغرما برسم الوجوه، هي وجوه تبدو مألوفة الملامح والصياغة، يرسمها كمن يدوّن مشاهداته اليومية للحياة والناس من حوله، وجوه تختلط فيها ملامح الأصدقاء بالغرباء، وتشتبك فيها صور لشخوص يعرفهم، وصور أخرى لأناس مرّوا ذات يوم على ذاكرة أحلامه ولن يعودوا.
الجمعة 2018/01/19
كائنات نورانية

القاهرة - تعرض قاعة “قرطبة” بالقاهرة حاليا أعمالا تحت عنوان “يوميات دفتر الأحوال”، وهي تجربة تصويرية جديدة تضاف إلى رصيد الفنان المصري أشرف رسلان، وهو فنان معروف بصياغاته الرومانسية الحالمة وبرسومه التي تتسم بشحنة درامية واضحة المعالم.

وينتقي رسلان مفرداته من بين العناصر المحيطة به ويصوغ من خلالها مشهدا تصويريا يتسم بالحبكة البصرية، وهو الذي يتخذ من الجسد البشري مصدرا لإلهامه، يرسمه عاريا أو غير عار، لكنه في النهاية يمثّل محورا للمشهد التصويري الذي يقدمه، ثم تأتي العناصر الأخرى المصاحبة في ما بعد كمفردات ثانوية تحيط به.

وضم المعرض تنويعات مختلفة متعلقة بثيمتي الوجه والجسد، ففي تلك الأعمال نلمح نساء وفتيات جالسات في هدوء أسطوري، مستكينات لقدرهنّ تحيطهنّ غلالة شفافة من اللون أحيانا، أو يستأنسن في أحيان أخرى بمجموعة من المفردات المحيطة.

وفي رسومه العارية تبدو الشخوص ككائنات نورانية، كأنها ولدت للتوّ من رحم الطبيعة، فالدراسة التشريحية للجسد العاري تشي بقدرة الفنان التصويرية وامتلاكه لأدواته جيدا، فهو يضع الجسد في بؤرة الضوء، في وسط المشهد تماما، حيث لا تستطيع العين تحاشيه أو التغاضي عن حضوره الطاغي، وعلى الحواف يتشكّل محيط مختصر من العناصر الأخرى يراوح المشهد بين الفضاء المغلق، والمفتوح على الخارج، أو فضاء المدينة القريب، حيث البيوت المتلاصقة كالعاشقين، وتبدو نهايات المباني من الشرفة مسكونة بالصمت، أما النوافذ البعيدة لتلك البيوت، فهي أشبه بعيون محدّقة تتلصّص على الجسد.

أشرف رسلان يخدش الورق، ويكشط المساحات الداكنة في بحث عن ملامح شخوصه

ويختزل رسلان الوجود البشري في لوحاته إلى حدوده الأدنى، بينما يسترسل في حبك ملامح درامية له، وهي ملامح تميّز صياغاته التصويرية في شكل عام: محيط غارق في الصمت، ثبات مفرط للعناصر، مع تقشّف في توظيف التفاصيل واستخدام الدرجات اللونية، حيث تراوح الدرجات اللونية المستخدمة في الأعمال بين البُنيات والرماديات، مع ميل إلى الاستفادة من إمكانيات الأبيض والأسود.

وربما يقتصر استخدام اللون الصريح أحيانا على الخلفية أو بعض التفاصيل والزخارف المرسومة على الملابس والأقمشة، أما الضوء فهو خافت في معظم الأحيان، وله مصدر معلوم، كما يساهم في التأكيد على درجات الظل والنور، وهو إحدى الأدوات التي استطاع الفنان توظيفها جيدا في أعماله.

ويضم المعرض مجموعة من البورتريهات المرسومة بالأبيض والأسود، أو الدرجات المحايدة، وهي دراسات سريعة على الورق مرسومة بالألوان المائية أو الفحم أو كلاهما معا، هذه البورتريهات هي واحدة من بين أكثر التجارب التي يضمها معرض أشرف رسلان تميزا، وهي تختلف عن بقية المعروضات الأخرى لعفويتها والحالة التعبيرية المسيطرة عليها.

هي مجموعة منتقاة من بين عشرات الدراسات السريعة الأخرى للوجه التي يحرص الفنان على أدائها كتمارين يومية، وفي هذه الدراسات السريعة يحتلّ الوجه كامل المساحة المرسومة من دون ترك فراغات جانبية، ومن دون الاستعانة بأي محسنات لونية أخرى، لا شيء هنا سوى الوجه، مرسوم في استدارة بضربات سريعة للفرشاة، وبتوتّر الأصابع التي تنتهك حرمة المساحة البيضاء في جرأة.

رسلان يخدش الورق، ويكشط المساحات الداكنة كمن يبحث عن تلك الملامح بين تراكامات اللون والخطوط الملتوية، إلى أن يعثر عليها أخيرا فيتركها كما هي، طازجة كما وجدها، أو كما تسنى للخامة أو الأداة أن تتشكّل بين يديه.

وتقف مجموعة الدراسات السريعة للوجه في مقابل مجموعة أخرى من الدراسات الأخرى بالأبيض والأسود لوجوه مرسومة وفق حبكة مدرسية متعمدة، حيث تخلى الفنان المصري في صوغها عن تلك العفوية التي ميّزت رسومه السابقة، لكنها رسوم تتميّز باختزالها الشديد وخطوطها الحادة المؤطرة للوجه أو الجسد، خطوط ترسم علامات ودوائر وأشكالا هندسية يكسر بها الفنان حدة الشكل وسكونه.

وتحيلنا هذه المجموعة من الوجوه إلى صور الأيقونات المسيحية التي تشتهر بها الكنائس الشرقية، خاصة مع التكرار المتعمد للدوائر المحيطة بالرأس، والتي بدت أقرب إلى هالات النور حول رؤوس القدّيسين، كما تبدو تلك الوجوه في أحيان أخرى متأثرة أيضا بـ”وجوه الفيوم”، وهي مجموعة من البورتريهات الأثرية الشهيرة التي تعود إلى العصر الروماني في مصر.

17