يناير 22, 2018

أسر المتعافين من فيروس سي بمصر.. ولادة جديدة لحياة دون قلق

يمثل التعافي من التهاب الكبد الوبائي “فيروس سي” ولادة جديدة لمئات الآلاف من الأسر المصرية، بعد سنوات من القلق والزيارات المستمرة لعيادات الأطباء ومراكز التحاليل، والمتابعة المستمرة لبطون ذويهم خوفا من وصولهم إلى الاستسقاء، باتوا الآن قادرين على العودة إلى الحياة الطبيعية، وانتهت واحدة من أبرز انواع المعاناة التي تستنزف جانبا كبيرا من مئات الآلاف من الأسر.
مئات الآلاف من الأسر المصرية باتت قادرة على العودة إلى الحياة الطبيعية

قبل ثلاث سنوات، كان المريض بالالتهاب الكبدي الوبائي بمصر “فيروس سي” محكوما عليه بانتظار الموت، يتفحص مشاعر القلق المستمرة في عيون أسرته، مثلما يتابع تطورات المرض بداخله، لكن الأمر تغير بعد توفير علاج محلي ناجع وتعافي نحو مليون ونصف المليون من المرض الذي يطلق عليه الأطباء “القاتل الصامت”.

أخطر ما يعاني منه مرضى “فيروس سي” ليس الألم، وإنما “الخوف” من تكرار المأساة لزوجاتهم وأبنائهم، فمعظمهم مصابون بالوسواس القهري، يطمئنون أكثر من مرة على موضع أدواتهم الشخصية، ويتفحصون أيديهم بتمعن حال حملهم أي شيء حاد، بعضهم يخشى غسل أسنانه تحاشيا لأي نزيف للدماء يكون مصدر تهديد بالعدوى لأحد أفراد الأسرة.

محمـد محمود، مهندس كهرباء (28 عاما) اكتشف إصابته بفيروس “سي” أثناء إنهائه كشفا طبيا إجباريا للالتحاق بفرصة عمل ذات راتب مغر بالسعودية، كان يستعد للسفر وكله طموح للمستقبل، أنهى جميع أوراقه واستخرج جواز السفر، وفجأة انتهى الحلم بعبارة واحدة “أنت مصاب بالفيروس”.

يقول محمود لـ”العرب”، “شعرت حينها بأن الحياة أظلمت أمامي فأصابتني الكآبة والقلق والخوف على المستقبل.. كنت أفكر في الارتباط وتكوين عائلة، وخشيت ألا تقبل أي فتاة بمرضي، لكني تعافيت وعدت إلى حياتي العادية، وبت أكثر حرصا في عملي الذي يعرضني لجروح مستمرة، وربما كانت إصابتي بالمرض جراء عدوى بدم ملوث لشخص آخر مصاب”.

أخطر ما يعاني منه المرضى ليس الألم، وإنما الخوف من تكرار المأساة لزوجاتهم وأبنائهم، فمعظمهم مصابون بالوسواس القهري

تسعي وزارة الصحة المصرية حاليا إلى الحصر الشامل للأعداد الحقيقية للمصابين بفيروس سي والاكتشاف المبكر للمرض، وتخطط للكشف على نحو 45 مليون مواطن خلال 4 سنوات، لاكتشاف من يحمل الفيروس منهم، فغالبية الحالات لا تعلم بإصابتها إلا في المراحل المتأخرة التي يصعب فيها العلاج.

دينا مختار، تروي تجربة والدتها مع المرض والنقلة الكبيرة في حالة الأسرة النفسية وتخلصها من التوتر والقلق المزمن الذي استمر مع أفراد العائلة لعدة سنوات، بعد تعافي والدتها من “التليف”، الذي يعتبر أخطر مراحل الإصابة بالفيروس، إذ يقع تحويل الخلايا إلى ندبات تشبه الإسفنج تحل محل النسيج السليم، ما يحد من قدرة الكبد على القيام بوظائفه.

وتؤكد، لـ”العرب” أنه “تم اكتشاف المرض في مرحلة متأخرة، وكان شغل الأسرة الشاغل البحث عن عيادات الأطباء، نهرول بمجرد سماع أخبار إيجابية عن قدرة طبيب على العلاج، جربنا كل شيء، واشترينا أدوية بمبالغ ضخمة من الخارج والداخل، وكنا ننتظر تحليل ‘بي سي آر’ الشهري بفارغ الصبر على أمل وجود أي تحسن”.

وتحليل “بي سي آر” يشير إلى درجة نشاط الفيروس ويقيس عدد نسخه بالدم لحظة أخذ العينة حيث يتراوح العدد بين 50 ألفا و50 مليونا بالملليمتر في حالة المرض، ورغم أنه ليس المؤشر الوحيد على التعافي، إلا أن غالبية أسر المرضى تعتبره كذلك، فيطيرون فرحا مع انخفاض الأعداد، ويغتمون حال حدوث العكس.

دينا مختار عادت إلى الحياة العادية مجددا فطوال مرض والدتها انقطعت عن العمل واقتصر نشاطها على مصاحبتها في رحلتها العلاجية ومتابعة مواعيد الدواء، لكنها الآن يمكنها العمل والخروج مع زميلاتها دون قلق أو خوف من حدوث انتكاسة مفاجئة لوالدتها. وعاش بيومي فهمي، موظف بشركة قطاع خاص، لحظات صعبة مع زوجته سامية عبدالمقصود لكنه يقول إنها انتهت بمجرد سماع خبر شفائها من المرض، حينها استقبلت الأسرة كلها الأمر بالبكاء المختلط بالسعادة، مشبها الأمر بعودة غريب مفقود لأهله بعد طول انتظار ويأس من اللقاء.

الفيروس لم يعد مقلقا كالماضي، بعد توفير دواء مصنع محليا بسعر رخيص (السوفالدي) بدءا من عام 2015

وسجل فهمي بيانات زوجته على الموقع الإلكتروني للجنة مكافحة الفيروسات الكبدية وبالفعل تلقى استجابة بتحديد موعد له لزيارة مركز علاجي، وهناك تم التأكد من إصابتها فعرضت على لجنة طبية حددت نوع العلاج ومدته.

ويشير لـ”العرب”، مبينا “حياتنا أصبحت أفضل، الآن أرى زوجتي تضحك من القلب لأول مرة منذ سنوات، ولم يكدر صفو عيشنا سوى شكوك الأطباء بإصابتي بفيروس الالتهاب الكبدي من النوع بي لكن التحاليل جاءت سلبية”.

وعدلت وزارة الصحة المصرية أخيرا بروتوكولات علاج فيروس سى لتلزم المرضى بالحصول على تطعيم الالتهاب الكبدي بي بعد التعافي مباشرة لأنهم يصبحون أكثر تعرضا للإصابة بالمرض من جديد.

لا توجد إحصائية دقيقة لأعداد المرضى بفيروس سي بمصر، ففي حين تقدرها مصادر رسمية بنحو 7 ملايين مريض، ترفع دراسات بحثية التقديرات إلى نحو 15 مليون مصاب بالمرض.

ويقول محمد عزالعرب، مؤسس وحدة الأورام بالمعهد القومي للكبد بمصر، إنه عايش على مدار حياته الوظيفية آلاف المرضى، بعضهم لا يزال عالقا بذهنه لارتباطهم بقصص صعبة، رأى من هجرته زوجته بسبب المرض، وأجاب على أسئلة شائعة لسيدات حوامل يخشين انتقاله إلى الجنين.

لا ينتقل فيروس سي إلا بعدوى الدم، لكن توجد حالات نادرة للإصابة أثناء الولادة أو العلاقة الجنسية، إذا كانت الزوجة مصابة بالتهابات حادة بالمهبل، أو حالة وجود جروح بمنطقة الفم أو حالات الجماع قبل انتهاء فترة الطمث.

يقول عزالعرب، لـ”العرب”، إن الفيروس لم يعد مقلقا كالماضي، بعد توفير دواء مصنع محليا بسعر رخيص (السوفالدي) بدءا من عام 2015، ودعم الدولة لعلاج المرضى والذي بلغ 3 مليارت جنيه خلال الـ18 شهرا الأخيرة.

ويوجد بمصر نحو 171 مركزا لعلاج فيروس سي، موزعة بين اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية والتأمين الصحي بجميع المحافظات.

وتنصب الجهود حاليا على القضاء على مسببات المرض الرئيسية بحملات دعاية مكثفة تطالب الأسر المصرية بالتوجه إلى المستشفيات وإجراء تحاليل للاطمئنان على صحة أفرادها، وشراء شفرات حلاقة خاصة والتعامل الآمن مع الحقن، لمنع الإصابات المستقبلية التي تقدرها مصادر طبية رسمية بنحو 150 ألف إصابة جديدة سنويا.

مقالات ذات صلة
21