أغسطس 23, 2013

أثر الأزمة السورية في العلاقات الروسية الأميركية

تصوّر كثير من المتابعين أن سقوط الاتحاد السوفيتي أنهى حقبة الحرب الباردة، وبنيت تصورات مختلفة لهذه النظرية، وما عزز تلك الرؤية ضعف انطلاقة روسيا كقوة فاعلة في النظام العالمي آنذاك للعديد من الأسباب الذاتية والموضوعية. وبصرف النظر عن غياب العامل الأيديولوجي في تأجيج النزاعات حاليا، إلا أن ثمة أسبابا كثيرة يمكن أن تعيد رسم صورة قاتمة لعلاقة موسكو بواشنطن في ظل ظهور أزمات ذات بعد إقليمي ودولي من بينها الأزمة السورية.

ورغم وجود فواعل كثيرة تلعب أدوارا مختلفة في تحديد مستوى العلاقة بين الدولتين، إلا أن الأزمة السورية شكلت عاملا أساسيا في تحديد مستقبل العلاقة وما يمكن أن ينتج عنها من تداعيات في غير اتجاه.

اعتقدت موسكو أن عودتها إلى النظام العالمي كقطب فاعل، مرهون بإعادة صياغة سياسة خارجية ذات بُعد صدامي، بمعنى آخر لجأت موسكو في قراءتها للسياسات الدولية ومنها الأزمة السورية، على أنها بوابة لطموحاتها، رغم المعوقات التي يمكن أن تواجهها في ترجمة الطموح إلى واقع.

صحيح أن روسيا تمكنت خلال العقد المنصرم من تكوين بيئة اقتصادية وسياسية واجتماعية مناسبة لانطلاقة جديدة على المستوى الدولي، إلا أن مستجدات كثيرة برزت مؤخرا، بحيث لم يعد بمقدور روسيا الاتكال على هذه البيئة لتأكيد حضورها المفترض، باعتبار أن مرتكزات السياسية الخارجية الروسية انطلقت من بيئات مختلفة على الصعيد العملي، ومنها محاولة إعادة تقويم سياساتها على منطلقات ليست قادرة على ضبطها بشكل دقيق، ومن هذه المنطلقات محاولة التدخل في تحولات المنطقة العربية.

شعرت موسكو بأنها تلقت ضربة قاسية خلال إدارتها للأزمة الليبية وخروجها خالية الوفاض مما آلت إليه أوضاع منطقة شمال أفريقيا والمنطقة العربية، لذا عملت على تركيز قوتها في محاولة لإعادة التوازن في منطقة أخرى، فكانت الساحة السورية ملعبا لعمليات الشد والجذب مع واشنطن. فهل أن استمرار موسكو في هذا التوجه سيعيد لها ما خسرته في مناطق أخرى ويعيد ترسيم العلاقة مع واشنطن وفقا لتصوراتها.

في واقع الأمر، وإن كانت موسكو تحاول إعادة ترتيب أوضاعها على أسس تعتبرها مقبولة، إلا أن المستجدات الحاصلة في المنطقة العربية تعتبر من العوامل غير المساعدة على تطوير قدراتها الدبلوماسية والعملية، فالتحولات الجارية في غير بلد عربي ومنها سوريا من الصعب استثمارها نظرا لتكاليفها العالية وعدم وجود قواعد صلبة لإمكانية البناء عليها في أي مشروع حل للأزمة السورية أو غيرها. وبذلك إن ركون روسيا ووضع ثقلها بمختلف أوجهه في الأزمة السورية لن يثمر نتائج مقبولة لموسكو في ظل تشدد واشنطن في هذه الملفات.

إن قراءة متأنية لماضي العلاقة بين البلدين تشير إلى أن تنافسا قويا قد جرى في غير ملف وقضية في غير منطقة من العالم، حيث جرت تنازلات متبادلة وإعادة صياغة لمواقف متباينة، إلا أن التدقيق في مواقف الدولتين تجاه الأزمة السورية يشير إلى استحالة التوصل إلى قواسم مشتركة لتحديد قواعد للحل السياسي المفترض، وما يعزز هذه الفرضية أن مؤتمر جنيف 2 الموعود منذ أشهر لم يتم حتى الآن ترتيب قواعده.

إن تشعب الأزمة السورية، أثر وسيؤثر في تكوين البيئة المناسبة لكل من واشنطن وموسكو في إعادة صياغة علاقة طبيعية في حدها الأدنى. فكل من البلدين انطلق من مبادئ غير قابلة للتفاوض وتبادل المغانم والمصالح، فالأزمة السورية شكلت بيئة قابلة للتشدد في المواقف، وهي من النوع الاستراتيجي في حسابات الدولتين، ومن الصعب إيجاد ثغرات يمكن النفاذ إليها لبناء قواعد الثقة في التعاملات الدولية المفترضة.

إن وصف أوباما للرئيس الروسي بوتين، بأنه كالتلميذ المشاغب الذي يجلس في مؤخرة الصف، تعبير واضح على نظرة واشنطن للسياسات المتبعة في موسكو، وفي هذه الحالة فهي تعتبر أن المشاغبة لن تصل إلى نتيجة، وبصرف النظر عن رؤية واشنطن لهذا التوصيف، فمن المعروف أن المشاغبة هي نوع من عدم القدرة على إيصال ما يريده الشخص إلى نهاياته السعيدة. وبالتالي ثمة مسافات بين الطرفين ينبغي ردمها قبل التفكير بأي بيئة حل لأي أزمة ومنها الأزمة السورية، بل الأصح القول إن الأزمة السورية تحديدا ستسهم في مزيد من الفراق والبعاد قبل أن تنضج ظروف أخرى تعيد رسم السياسات الإقليمية والدولية بين البلدين، وهو أمر غير منظور في المستقبل القريب!

مقالات ذات صلة
9