أكتوبر 24, 2015

جاكلين ستون التي لحقت بالشهبندر على عجل

صحفية خافت من رصاص داعش أكثر من خشيتها من حبال عقلها الباطن

لندن - كانت جاكلين ستون تعلم أن شيئا ينتظرها في ظلال العراق القاتمة. كانت تدرك أن أحدا لم توجه له دعوة، سيزورها مساء ذات يوم، كي يطالبها بحساب ثقيل لدفاعها عن حرية النساء الواقعات تحت غبن تنظيم داعش هناك.

ربطت بين جاكي، كما يروق لأصدقائها أن ينادوها، والعراق علاقة تماه بين من يؤمن بحقوق المرأة وحريتها، ومكان كثر فيه من يطالبون أمثال جاكي بانتشالهم من عذابات يومية بعدما فشلت الجيوش والمدافع والطائرات في خلق مخرج لهم منها.

كانت تعلم، رغم رغبتها الجامحة في عدم التصديق، أن سلفها في منصب مدير برنامج العراق في معهد صحافة السلم والحرب عمار الشهبندر، كان تحت مراقبة لصيقة من قبل أحدهم قبل أن يقتل في انفجار سيارة مفخخة استهدفته في بغداد في الثاني من مايو الماضي.

بلد خطر وبشر خطرون

جاكي كانت تعلم أيضا وهي في طريقها يوم السبت الماضي من مطار هيثرو في العاصمة البريطانية لندن إلى مطار أتاتورك في إسطنبول في طريقها إلى كردستان العراق، أنها تعمل في بلد خطر وتواجه أناسا أخطر يؤمنون ببساطة أن الطريق إلى الجنة يمر عبر الممر الضيق الذي قد تصنعه رصاصة مسدس في رأسها.

لكنها كانت من بين هؤلاء الذين أصابتهم ظروف العمل اليومي تحت أزيز الطائرات ودويّ المدافع بأمراض الجَلَد والقوة، إذ يدرك الإنسان في الصباح التالي لوقوفه شاهدا لأول مرة في حياته على جريمة قتل أنه لن يعثر مجددا على نفسه التي تخلص منها قبل أن يذهب إلى النوم في الليلة الماضية.

تعرضت جاكي على مدى أكثر من 25 عاما من العمل في ظروف صعبة لمثل هذه المواقف كثيرا، وتلك القوة التي رسمت ملامحها بدأب وإتقان سنون طويلة من الخبرة الصحفية والميدانية هي من كان يقف وراء الهدوء الذي سكن جاكي وهي تتحدث إلى أمن مطار أتاتورك في إسطنبول وتتنقل بين أروقته كما أظهرت لاحقا أشرطة كاميرات المراقبة.

لم يبد على تحركاتها أيّ توتر، ولم تكن جيوبها خاوية من النقود كما زعمت وسائل إعلام تركية قالت إن الطائرة إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان فاتتها، وإن هذا ما دفعها إلى شنق نفسها في المرحاض لأنها لم تمتلك النقود الكافية كي تحجز تذكرة طيران على الطائرة التالية.

“ردود الفعل المذكورة أبعد ما تكون عن شخصية جاكي”. هكذا تقول لورنا تيكوستوب التي عملت معها عن قرب عام 2010 وعاشت معها في بغداد في نفس الفيلا على الأقل طوال أربعة أشهر.

قالت لورنا “لقد رأيتها تحت ضغط هائل وكانت تتصرف بمنتهى الثبات والقوة، لذلك ليس من المنطقي القول إنها انهارت وبدأت تبكي لأنها لم تتمكن من اللحاق بالطائرة، وكذلك تبدو لي فكرة أنها لا تمتلك النقود الكافية لشراء تذكرة أخرى سخيفة”.

طبعا لم يكن مزاح الصحافة التركية كافيا لإقناع أحد، في تركيا أو بريطانيا، بانتحار جاكي التي مرت بظروف أقسى من مجرد عدم اللحاق بالطائرة بكثير، لكن الأهم أن حقيبتها كانت، كما كشفت شرطة المطار لاحقا، تخبئ 2500 يورو كافية لشراء عشر تذاكر طيران إلى أربيل القريبة.

لم يستغرق الأمر عشر دقائق ذهبت خلالها عاملة مسؤولة عن نظافة المراحيض كي تقوم بتنظيف ممسحتها، ثم عادت لتكتشف أن هذه الدقائق القليلة كانت كافية لإنهاء حياة إنسان في مكان مزدحم تغطي الكاميرات كل جوانبه.

لاحقا اضطر ضباط المطار إلى الاعتراف بأن جاكي ستون، البالغة من العمر 50 عاما، ربما تكون قد قُتلت.

مرت جاكي أمام داعش الذي يستطيع أن يرى آثارها بوضوح ويشم رائحتها وينزعج من الضجيج الذي أحدثته

حامت الشبهات على الفور حول عناصر تنظيم داعش الذي يجد في تركيا حديقة خلفية للتنزه جراء العناء الذي يعتلي مقاتليه في سوريا. هم في كل مكان تقريبا، في الشوارع والمستشفيات وشقق الإيجار وبين صفوف اللاجئين إلى أوروبا، وأخيراً في المطارات.

لكن ثمة مسوغات تقود إلى منطق الاتهام الموجه لأكثر التنظيمات وحشية في التاريخ الحديث، فقد مرت جاكي أمامه. يستطيع التنظيم أن يرى بوضوح آثارها ويشم رائحتها وينزعج من الضجيج الذي أحدثته إحدى أشرس المدافعات عن النساء اللاتي يعتبرهن محظياته ويتلذذ كل صباح باستعبادهن.

الحرب والسلام

حينما كتبت عن حياتها على موقع المعهد الذي كانت تعمل فيه قبل أن يعثروا على جثتها منتصف ليل السبت الماضي، اختارت جاكي أن تبدأ بحجم التوتر الذي أصيبت به حينما اتهمت في إريتريا بأنها جاسوسة تعمل لصالح الاستخبارات الخارجية البريطانية “إم أي 6”.

كان ذلك خلال خمس سنوات قضتها في البلد الواقع على الشريط الملاصق للبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، قبل أن تعود إلى لندن وتواظب على جلسات متتابعة مع طبيب نفسي.

عملت جاكي، التي ولدت في بلدة هارتفورشاير الواقعة على بعد 40 دقيقة بالسيارة شمال لندن، في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي كمراسلة في أفريقيا والشرق الأوسط بالخدمة الدولية للمحطة بين عامي 1998 و2000، انتقلت بعدها للعمل في الأمم المتحدة وتدرجت في سلم المناصب القيادية خلال تنقلها من أفغانستان إلى إيران ودول غرب أفريقيا وقطاع غزة في فلسطين.

لم تجد أيّ صعوبة في العمل في بيئات ودول وظروف يغيب عنها التشابه، إذ أنها كانت تجيد خمس لغات بإتقان إلى جانب العربية، التي كانت تقول دائما إنها تجد عراقيل كبيرة أمام رحلتها الطويلة نحو إتقانها.

في العام 2008 وجدت جاكي نفسها على رأس برنامج جديد للأمم المتحدة لمساعدة العراق في مجال الإعلام وأنظمة الاقتراع ومراقبة الانتخابات قبل الانتقال للعمل في سلسلة من الوظائف الأخرى التي قادتها لاحقا إلى معهد صحافة السلم والحرب، المعهد الذي اشتهر بأنه لا يتوانى عن الظهور في أيّ مكان يندلع فيه صراع حول العالم. كل ما يحتاجه الأمر هو أن تتناقل وكالات الأنباء أن حربا أو اضطرابا مسلحا أو ثورة شعبية اندلعت في هذا البلد أو ذاك، كي تسارع مكاتبه في الانتشار على الفور في عاصمة هذا البلد وتبدأ العمل.

وحسبما تقول إدارة المعهد على موقعه الرسمي إن عمله يتركز بشكل أساسي على ثقل المهارات الصحفية للمحترفين أو الصحفيين الهواة الذين يعملون في وسائل الإعلام والصحافة التقليدية، أو هؤلاء الذين يجدون في مواقع التواصل الاجتماعي متنفسا للتعبير عن آرائهم أو نقل الأحداث في مناطق الصراع أوّلا بأول.

معهد صحافة السلم والحرب مؤسسة لا تهدف إلى الربح، تمتلك فروعا في كثير من الدول الأفريقية وأفغانستان وباكستان إلى جانب العراق وسوريا وليبيا وتونس وعدد من الدول الأوروبية، ولا يوضّح المعهد مصادر تمويله التي يقول كثيرون إنها تأتي ضمن برنامج أميركي لدعم المؤسسات الأهلية التي تروج لحرية التعبير والديمقراطية في دول العالم الثالث، وعادة ما تكون وزارة الخارجية الأميركية هي المصدر الأساسي لتمويل مثل هذه المؤسسات.

عمار الشهبندر مدير برنامج العراق في معهد صحافة السلم والحرب الذي قتل هو الآخر في انفجار سيارة مفخخة استهدفه في بغداد

رسالة ستون الأخيرة

بعدما ضاق الحبل على رقبة السلطات التركية تحت قصف متوالٍ من جميع أنحاء العالم الذي يبدو أنه يحتضن صديقا لجاكي في كلّ من أركانه، اضطرت السلطات التركية إلى إلقاء التهمة على عاتق تنظيم داعش المتشدد.

بالطبع لا يمكن استبعاد داعش من قائمة الأسماء التي توجه لها أصابع الاتهام باحتمال قتل جاكي التي كانت تشغل منصبا هاماً، ومن ثمة مصيرا سبقها إليه عمار الشهبندر لنفس الدوافع وفي ظروف مشابهة، فلطالما كانت جاكي نفسها تخشى أن تنتهي حياتها تحت عجلات قطار التشدد المنطلق بأقصى سرعة ساحباً خلفه ملايين البشر في المنطقة وخارجها.

قبل أسابيع على إعلان وفاتها أرسلت جاكي رسالة إلى صديقتها أماندا واتلي تخبرها فيها أنها لن تكتب أيّ تغريدات على موقع فيسبوك حتى لا تلفت الأنظار إليها أو إلى زملائها في أربيل، لم تقصد جاكي إلا أنظار داعش المترصدة بالجميع، والتي يترصدها الجميع.

تقول لصديقتها في الرسالة “يحتاج الأمر فقط إلى شخص مخبول يصعد إلى المنبر في صلاة الجمعة ويقول إن قتل الأجانب جهاد، وستسمعين في غمضة عين أحدهم يدق على الباب”، وتضيف “لقد توسعت أربيل بما فيه الكفاية، لكن مازال الناس يعلمون أين يسكن الأجانب، لذلك أفضل البقاء في الفندق حتى الأسبوع القادم وبعدها سأنتقل للإقامة مع أصدقاء أكراد في منطقتهم المعزولة، وإذا أتوا (عناصر داعش) إلى هنا فسيكون عليهم الدخول في مواجهة طويلة مع حراس مسلحين قبل أن يتمكنوا من الوصول إليّ”.

لكن في نهاية المطاف وجدت جاكي نفسها وحيدة في مرحاض لا تتعدى مساحته بضعة أمتار في مواجهة الموت، الذي يقول أحدهم إنه خرج عليها من عقل باطن عُرف بالتماسك ولم يخش يوما أن يقتل مروّضته، لكن خوفه دائما كان ينبع من هؤلاء الأشباح الذين باتوا يظهرون ويختفون في غمضة عين في الشوارع والصحارى والحقول، وحتى المطارات.

12