كريم العراقي نهر من الكلمات لا نهاية له

السبت 2015/10/24
شاعر ومؤلف مسرحي وسينمائي يجده العرب في كل لحظاتهم الرقيقة

عمّان - تنقل بين سحر الكلمات وعبقها، من كتابة الشعر الغنائي إلى تأليف القصص والروايات والبرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية وكتابة المقالات وتحرير المجلات المدرسية، لينتهي بما بدأ به وهو كتابة الأغاني والقصائد الشعرية، هو ابن العراق العريق، الذي اختار أن يحمل اسمه طوال مسيرته الإبداعية والحياتية.

كريم عودة المعروف باسم كريم العراقي شاعر العراق المعاصر، الذي أرسل له الراحل نزار قباني رسالة تغزّل فيها بقصيدته التي غناها كاظم الساهر كموال بعنوان “يا دنيا إنتي إلي حرمتيني من أهلي”، ولد بمنطقة الشاكرية، في بغداد، ويعتبر اسمه لوحده “كارت بلانش” للوصول إلى الجمهور العربي عندما يوضع على أيّ أغنية، تخطى حدود الشهرة ليضع اسمه في تاريخ الغناء العربي الماضي والحاضر والقادم أيضا، فهو نهر الكلام الرقيق الذي لا ينضب.

عمي يا بو مركب

عمل كريم العراقي معلما في مدارس بغداد لعدة سنوات، ثم مشرفا متخصصا في كتابة الأوبريت المدرسي، وحصل على دبلوم في علم النفس وموسيقى الأطفال من معهد المعلمين في بغداد، وكان قد بدأ بالتأليف والنشر منذ كان طالبا في المدرسة الابتدائية في مجلات عراقية عديدة منها مجلة “المتفرج”، “الراصد”، “الإذاعة والتلفزيون”، “ابن البلد”، “وعي العمال” ومجلة “الشباب”، فتنوعت اهتماماته وشملت كتابة الشعر الشعبي والأغنية والأوبريت والمسرحية والمقالة فضلا عن ولعه بالثقافة والأدب والمسرح والسينما.

أول مؤلفاته المنشورة كانت عام 1974 وهي ديوان “للمطر وأم الظفيرة” من الشعر الشعبي العراقي، بعدها كتب العديد من الروايات والحكايات منها حكايات شعبية بعنوان “ذات مرة”، كما كان للأطفال حصة كبيرة من كتاباته حيث نُشرت له روايات كثيرة، منها “الخنجر الذهبي”، “الشارع المهاجر”، أما المسرح، الفن الأول، فلم يكن بعيدا عن خيال كريم العراقي الذي كتب عدداً من النصوص للخشبة، أهمها “يا حتوتة يا منحوتة” و”عيد وعرس” و”دنيا عجيبة”، لتسرقه السينما، ويقوم بكتابة قصص وسيناريو وحوار لأفلام سينمائية مثل “عريس ولكن”، “افترض نفسك سعيدا”، وغيرها.

التلفزيون نال من اهتمام كريم العراقي في تجربتين مختلفتين، الأولى كانت إعداد وتقديم البرنامج التلفزيوني “في ضيافة الأغنية”، أما الثانية فكانت كتابة سلسلة تلفزيونية بعنوان “مناجاة للواحد الأحد” عرضها راديو وتلفزيون العرب.

في جعبة العراقي على مستوى الصوت والغناء، ثلاثة ألبومات، الأول كان بعنوان “ها حبيبي”، والثاني “يا شاغل الفتيات”، أما الأخير فقامت بإنتاجه وتسويقه شركة روتانا الشهيرة وفيه غنّى كريم بصوته العراقي الشجي وهو بعنوان “دللول”، وحقق نجاحا باهرا خصوصا في دول الخليج العربي.

مكانة سعدون جابر العربية الكبيرة أتاحت الفرصة لكريم العراقي كي يلحن بليغ حمدي قصائده

جنة جنة جنة

الملعب الكبير لكريم العراقي والذي حصد فيه شهرته العربية الواسعة، هو كتابة الأغاني التي بدأها مطلع السبعينات، من خلال كتابة أغنيتين للأطفال هما “الشميسة” التي أدتها مي أكرم و”يا خالة يالخياطة”، حين كان طالبا في المرحلة المتوسطة، بعد ذلك قدم العديد من الأعمال الناجحة حيث أول من قدمه الفنان سعدون جابر باغنية “ما ارضى دمعة وي الكحل” وهي “تهانينا يا أيام” لصلاح عبدالغفور و”دار الزمان” لسيتا هاكوبيان، وأغنية “جنة جنة” للفنان رضا الخياط والتي كانت من ألحان عباد عبدالكريم والتي رددها العديد من المطربين العرب، وأصبحت أغنية يصدح بها ثوار الربيع العربي في مظاهراتهم السلمية، كما كتب كلا من الأغاني “عمي يابو مركب” لفؤاد سالم و”وي هلة” لأنوار عبدالوهاب و”عرفت روحي أنا” لرياض أحمد، ومجموعة من الأغاني في منتصف الثمانينات لحسين نعمة “تحياتي” و”شكد صار أعرفك” و”هنا يمن كتلي اعتمد” وعاد في بداية التسعينات ليغني له من بين أجمل الاغاني “بعدد مالامت العذال” من ألحان علي سرحان وللكثيرين من الفنانين العرب أمثال ديانا حداد، فضل شاكر، عمر العبداللات، سميرة سعيد، محمد منير، هاني شاكر، أصالة نصري، صابر الرباعي، وغيرهم.

مع بليغ حمدي

يصنف النقاد وخبراء الموسيقى العربية بأن أفضل أغنيتين قدمت للأم هما “ست الحبايب” لفايزة أحمد، و” يا أمي يا أم الوفا” لسعدون جابر، التي كتب كلماتها كريم العراقي وهو في عزّ شبابه، وكانت سببا كبيرا لانتشار سعدون عربيا، الذي انتقد كثيرا في ما بعد مستوى التعامل بين كاظم الساهر وكريم العراقي، واتخذ الأخير شماعة له لانتقاد الساهر بسبب النجاح الكاسح الذي حققه في تسعينات القرن الماضي، وخصوصا في مقابلته مع الإعلامي زاهي وهبي في برنامج “خليك بالبيت” الذي كان يعرض على قناة المستقبل اللبنانية، حيث أن الجابر قال إنه يأسف على المستوى الذي وصل إليه كريم، حيث لا يصدق أن من كتب “يا أمي يا أم الوفا” التي لحنها عميد الغناء العراقي الفنان عباس جميل هو ذاته يكتب “نزلت للبحر تتشمس الحلوة” التي غناها كاظم الساهر وحققت نجاحا كبيرا في وقت صدورها، ورد كريم على كلام سعدون جابر أن الأغنيتين مختلفتان تماما ولا عيب من كتابة الأغاني الشعبية العراقية، لأن هناك قسما كبيرا من الجمهور يهوى تلك الأغاني.

كريم العراقي كانت بدايته الفنية مع سعدون الجابر الذي كان متسيداً على الساحة الفنية العراقية قبل صعود الساهر إليها، مكنه ذلك من التعاون مع الراحل بليغ حمدي، وذلك في بداية الثمانينات، عندما لحن أربع أغان من كلام العراقي وغناها سعدون جابر.

بغداد.. كثر الحديث

شكل كريم العراقي مع رفيق دربه كاظم الساهر ثنائيا فنيا ناجحا أنتج من خلاله حتى الآن أكثر من 100 أغنية، كانت الأولى عام 1987 عندما كانا سوية في الخدمة العسكرية في الجيش مع أغنية مسلسل درامي بعنوان “شجاهه الناس”، أما أشهر تعامل بينهما فكان العمل الغزلي الرائع للعاصمة العراقية بغداد “كثر الحديث”، والذي كتب كلماته كريم العراقي بعد جدال بينه وبين الساهر أسفر عن أجمل أغنية وطنية عراقية لتكون معشوقة العراقيين أينما حلّوا.

النقاد وخبراء الموسيقى العربية يصنفون من بين أفضل الأغاني التي قدمت للأم، أغنية (ست الحبايب) لفايزة أحمد، و(يا أمي يا أم الوفا) لسعدون جابر، والتي كتب كلماتها كريم العراقي في شبابه، وكانت أحد أسباب انتشار سعدون عربيا بشكل واسع

وكان كريم العراقي قد تحدث في إحدى مقابلاته التلفزيونية عن أجواء كتابته للقصيدة الأغلى على قلبه قائلا “بعد جولة في جنان لبنان من طرابلس إلى صيدا وصور إلى بعلبك وبحمدون، ومن صفاء غابات الأرز رجوعا إلى زحام بيروت، حصدنا مع كاظم الساهر تألقا ونجاحا قلّ نظيره، وها هي الأيام الأخيرة حيث بدأنا نحزم الحقائب للعودة إلى بغداد، كنا نعد لأغنية عن العراق، أردناها مميزة تبتعد عن صخب الأناشيد الحماسية، كي يفتتح بها كاظم حفلته الكبرى في مهرجان بابل الدولي في العراق، وبين بحر جونيه وأشجارها، رسمت الكلمات الأولى، وإذا أنا نشوان بما أنجزت، صدمني كاظم وأنا أسمعه القصيدة، يقول لي: للأسف هذا ليس كريم الذي أعرفه، يبدو أنك نضبت!، لم يكن لديّ أيّ جواب، سوى بركة من عرق الجبين، غطت كل وجهي فرميت قلمي وأوراقي ولم تشفع ضحكة كاظم ومحاولته لكسر التوتر، وقال: هيا غير ملابسك فنحن مدعوون إلى سهرة جميلة، وطرق كاظم الباب والجرس، وكلف بعض أعضاء الفرقة، لكنني صمّمت على البقاء في الفندق حزينا متوترا، وغادروا فانفردت بالسماء والبحر وأنا أزيح ستارة النافذة كانت همهمة عصبية تسيطر على لساني حتى كتبت:

كثر الحديث عن التي أهواها

كثر الحديث من التي أهواها؟ ما سرها؟ ما عمرها؟ ما اسمها؟ ما شكلها؟

شقراء أم سمراء؟ عيناك أحلى أنت أم عيناها؟

هي أجمل من كل جميلة

أحلى منك وأحلى مني

هي أرشق من كل رشيقة

هي أقرب من قلبي عني

هي أبلغ من شعر كريم أو كاظم في أروع لحن

قالوا: إنك تسهر معها

طبعا طبعا

قالوا: إنك تسكن معها

طبعا طبعا

عيناها بيتي وسريري ووسادة رأسي أضلعها

تمحو كل هموم حياتي لو مس جبيني إصبعها

ضميني يا أحلى امرأة

لو صمتت قلبي يسمعها

بـــغداد.. وهل خلق الله مثلك في الدنيا أجمعها؟

يتابع كريم العراقي سرد حكايته “عاد كاظم مبكرا فكنت له بالمرصاد وفي غرفته فضضت الورقة شائكة السطور، وقلت له اسمع، ليرد صارخا فرحا (الله.. الله.. هذا هو كريم.. لقد نجحت باستفزازك)، وأمسك بالعود وهو يذوب مع نغماته وكنت مستغربا اللحن الذي استهل به الأغنية، فلم أصفق له ورحت أتابعه بحذر ولم يحركني اللحن إلى أن وصل إلى: هي أجمل من كل جميلة، وتنامى الحماس واستغربت استمرار كاظم دون توقف كما لو كان يحفظ اللحن منذ زمن بعيد، قلت له : إنك تلحن أوبريت لا أغنية، لم أتوقع أن أكتب أغنية بهذا الجمال، ولكن استفزاز الساهر الأول والأخير لي كانت له نتائج عظيمة جدا”.

كاظم الساهر رفيق درب كريم العراقي والصوت الذي نقل كلمات أغانيه إلى الآفاق

الأغنية الشعبية

يرى كريم أننا في الوقت الحالي نعيش عصر انحطاط الأغنية الشعبية في العالم العربي بسبب فقدان الرقابة وكثرة الفضائيات والاندفاع بشكل غير معقول من أجل الربح، والاتجاه للعري، وذلك ينتج هجمة خطرة على الفن التراثي والشعبي بالوطن العربي، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يكتبون الأغنية الشعبية وكثيرون منهم لا يملكون لا التجربة ولا الثقافة.

التنوع الشعري في العراقي يصفه كريم العراقي بأنه عجيب وغير موجود في أغلب الدول العربية، وهو ليس محصوراً بمنطقة واحدة، وهذا من إيجابيات برامج الشعر التي أظهرت هذه الفنون، ففي غرب العراق الشعر النبطي والركباني، وفي الجنوب الأبوذية، وفي بغداد المقام والموال والزهيري، وشمال العراق الفصحى، وهي فنون تحتاج إلى الإعلام لإبرازها بشكل أكبر، وكتّابها الكبار في العراق وفي هذه المناطق عددهم كبير، وهم مبدعون، لكن ظروف العراق الصعبة ساهمت بعدم إظهارهم، ولكن فنونهم الشعرية فنون معروفة في الخليج العربي.

يعترف بأنه يتجاوز قواعد العروض عن قصد وليس عن جهل، في الأغاني التي يغنيها كاظم الساهر، وهذا أمر حصل في عدة أغان بسبب أن الأغنية مختلفة عن القصيدة، ففيها يحرص على الاتصال بين الصور الشعرية أكثر.

أما عن البرامج التلفزيونية المختصة باكتشاف المواهب الغنائية، فيقول العراقي إنه رفض الكثير من العروض للمشاركة كعضو لجنة تحكيم، لأنه يعتبر نفسه شخصاً مجاملاً جدا ولا يريد أن يغضب أحداً، لذلك قرر الابتعاد عن هذا الأمر ولكنه يشجع الموهبة الحقيقية والصادقة، والتي تريد أن توصل رسالتها إلى الآخرين، وجلّ ما يتمناه كريم العراقي حاليا إحياء أمسية شعرية كبيرة في بغداد، ولكن الظروف الأمنية تحول دون تحقيق ذلك، مع أنه أحيا أصبوحات شعرية في شارع المتنبي، وكذلك في بعض المحافظات العراقية ولكن الأمسية أمر صعب ومخيف حاليا في بغداد التي يعشقها.

14