جان دانيال الباحث عن قيم أخرى لمواجهة التحولات الجديدة

السبت 2015/10/31
مفكر فرنسي يرى الاستبداد في الشرق صورة معكوسة للغرب المعولم

تونس - ما تزال عبارة الصحفي والمفكر الفرنسي الكبير جان دانيال في مجلة “لونوفيل أوبسيرفاتور”، “غيوم على الربيع العربي”، تدوّي في أصقاع العالم العربي، تلك العبارة التي اختارها لتكون عنواناً لمقاله الذي أبدى فيها مخاوفه من بعض الإشارات السلبية التي ترافق التحولات في عالم العرب.

وفي يوم 21 يوليو من هذا العام 2015، احتفل الكاتب جان دانيال بمرور 95 عاما على ميلاده في “البليدة” قرب الجزائر العاصمة، ورغم تقدمه في السن، فهو لا يزال يتمتع بالحيوية وبالصفاء الذهني، مواظبا على كتابة افتتاحياته الأسبوعية في مجلة “لونوفال أوبسيرفاتور” (أصبحت تسمى لوبس) والتي أنشأها في الستينات من القرن الماضي لتكون إلى حد الآن، واحدة من أرقى المجلات الفرنسية الجامعة بين السياسة والثقافة.

لم ينقطع دانيال عن المشاركة بجديته المعروفة في الجدل القائم في فرنسا حول مختلف القضايا، محافظا على لغته البديعة، وعلى أسلوبه الرفيع. وفي كل ما يكتب تتجلى ثقافته الواسعة، ومعرفته الدقيقة بالتاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وبالآداب الإنسانية في مختلف العصور. كما تتجلى حنكته السياسية. وليس ذلك بالأمر الغريب، فقد التقى هذا الرجل الذي اخترق القرن العشرين، وجزءا مهما من الألفية الجديدة بمشاهير الزعماء السياسيين في الغرب والشرق، بل إنه كان صديقا للبعض منهم من أمثال الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، والعاهل المغربي الحسن الثاني، والزعيم الجزائري أحمد بن بلة، وآخرين. وكان يرتبط بعلاقات وثيقة بكبار الفلاسفة والكتاب خصوصا بألبير كامو الذي ولد مثله في الجزائر. لذلك لم يتردّد في الوقوف الى جانبه في فترة احتدام المعارك بينه وبين جان بول سارتر.

فرنسي أم جزائري

ينتمي جان دانيال إلى عائلة يهوديّة متواضعة. وكان والده الذي رأس مجلس بلدية “البليدة” يتباهى بانتمائه الى الثقافة المتوسطية مظهرا نوعا من النفور من الهوية اليهودية، رافضا ممارسة الشعائر الدينيّة. وفي سنوات المراهقة، دأب جان دانيال على قراءة المجلة الأسبوعية “فاندريدي” (الجمعة) التي كانت تعكس أفكار وأطروحات اليسار الاشتراكي. وتحت تأثير ذلك، أصبح يعتقد أن ما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي يمثّل “جنة على وجه الأرض”. في الآن نفسه، كان يقبل على قراءة مؤلفات الكاتب الكبير أندريه جيد، لكن بعد أن قرأ كتاب هذا الأخير “العودة من الاتحاد السوفييتي” الذي فضح فيه الوجه البشع لاشتراكية ستالين ولسياسته القمعية تجاه المعارضين، كفّ جان دانيال عن إظهار إعجابه بالماركسية، وعن قراءة الكتب المدافعة عن الاشتراكية بحسب مفهومها الماركسي – اللينيني.

غير أن كلّ هذا لم يمنعه من الانتصار للبرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجبهة الشعبية التي حكمت فرنسا في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي، لكن لفترة قصيرة للغاية.

جان دانيال يرى في وحدة الشعب في لحظات الثورة، حلم الأمة التي تجتمع على المطالب الواحدة مهمشة العنصر الإثني والديني، تذكر بشيء من البهجة انهيار جدار برلين

في جامعة الجزائر انتسب جان دانيال الى حلقة أطلقت على نفسها اسم “أصدقاء مجلة أسبري” (الفكر). وكان يرأس تحرير هذه المجلة الفيلسوف إيمانويل مونييه (1905-1950) الذي كان يدعو إلى ضرورة بلورة فلسفة إنسانية سمّاها “الشخصانيّة”، بهدف السعي إلى “معالجة أزمة الإنسان في القرن العشرين”، ومواجهة الفوضى التي حدثت في الغرب بسبب تنامي النازية في ألمانيا، والفاشية في إيطاليا، وبروز انحرافات ستالين.

وعند اندلاع الحرب الكونية الثانية، انضم جان دانيال إلى حركة المقامة الفرنسية بزعامة الجنرال ديغول، ليساهم في تحرير الجزائر العاصمة من الاحتلال النازي، ممهدا لدخول الجيش الأميركي إليها. وفي نهاية الحرب، عاد لمواصلة دراسته في جامعة السوربون العريقة في قسم الفلسفة.

عمل جان دانيال في مكتب رئيس البرلمان، وشغل وظائف أخرى ساعدته على التعرف على خفايا السياسة الفرنسية الجديدة، وعلى الشخصيّات الفاعلة فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، غير أنه لم يلبث أن اكتشف أن العمل في المجال السياسي، لن يكون مفيدا له، بل قد يفسد مسيرته الثقافية والفكرية، لذلك تعلقت همته بتأسيس مجلة أسبوعية كان الهدف منها “تثقيف الجماهير العريضة”، وتعريفها بالتوجهات السياسية والفكرية في فرنسا وفي العالم. وقد أطلق على هذه المجلة اسم “كاليبان”، فاتحا صفحاتها لكل التيارات التي كانت تنشط في فرنسا آنذاك.

وفي هذا الفترة تعرف على ألبير كامو، وارتبط به بعلاقة صداقة وثيقة. وبسبب الضغوطات المادية التي كانت تزداد استفحالا يوما بعد يوم، توقفت المجلة المذكورة عن الصدور وذلك عام 1952، وقبل ذلك، وتحديدا في شهر ديسمبر عام 1947، أصدر جان دانيال بيانا أمضاه مشاهير المفكرين والكتاب من أمثال جان بول سارتر، وإيمانويل مونييه، وجان-ماري دومناش، ومارلو بونتي للمطالبة بحيادية أوروبا في الصراع الدائر بين القطبين الكبيرين اللذين برزا للوجود في نهاية الحرب الكونية الثانية، أي الولايات المتحدة الأميركية وما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي.

عند اندلاع الحرب التحريرية الجزائرية، أرسل إلى جبهة القتال من قبل مجلة “الأكسبريس” ليكتب مقالات مساندة لنضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، منددا بعمليات التعذيب الوحشية التي كان يمارسها الجيش الفرنسي ضدّ المناضلين الجزائريين، ومظهرا ميلا لأطروحات الزعيم الاشتراكي منداس فرانس الذي سيمنح استقلال تونس الداخلي في صيف عام 1954.

خطر على أمن الدولة

بسبب مواقفه المدافعة عن حرية الشعوب في تقرير مصيرها، حوكم جان دانيال مرتين بتهمة المس من أمن الدولة. كما صودرت بعض أعداد مجلة “الأكسبريس” بسبب مقالاته. وأما المناهضون لاستقلال الجزائر فقد هددوه بالقتل. وعند اندلاع حرب مدينة بنزرت التونسية في صيف عام 1961، انطلق دانيال إلى تونس ليكون على جبهة القتال، وبعد مرور يوم واحد على وصوله إلى هناك، أصيب بجرح بليغ كاد يؤدي إلى وفاته.

تحولات الشرق الأوسط التي لم يخرج منها منتصر حتى الآن

أصبح جان دانيال صحفيا عالميا يشهد له بالكفاءة وبالمقدرة العالية. وفي هذه الفترة، أجرى حوارات مسهبة مع شخصيّات سياسية عالمية من أمثال الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي، والزعيم الكوبي فيدال كاسترو. وللمحافظة على استقلاليته الفكرية والسياسية، سارع بتأسيس مجلة “لونوفال أوبسيرفاتور” التي ساهمت في إذكاء الجدل في فرنسا حول القضايا الكبيرة والحارقة التي تشغل الرأي العام الفرنسي والعالمي. ومن خلالها عبّر عن مواقفه الشجاعة تجاه النزاعات العالمية، وتحديدا تجاه الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، مطالبا بضرورة نشوء دولة فلسطينية مستقلة، ومنددا في كل مرة بسياسة الحكومات الإسرائيلية التي تقوم على العنف وعلى الترهيب وعلى حرمان الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

الشك والتعقيد

معرّفا بالفلسفة التي يعتمد عليها لتوجيه حياته، وبلورة أفكاره، كتب جان دانيال يقول “أنا أنتسب الى تقليد يقوم على الشك والتعقيد”. وكان مونتاني وجيد يمتلكان التعقيد الخصب والمفيد، والميل إلى الشك، والتعلق بالتردد، بل إن جيد ذهب إلى حدّ القول “أنا أنطق بجملة، غير أنني لا أمضي إلى نهايتها خشية أن أشكّ في الحقيقة التي كنت قد أطلقتها في بدايتها”.

لكن يوجد نوع من العقوق في التعقيد. فطالما نحن لم نلمّ بمختلف جوانب مشكلة معيّنة، فنحن نظلّ عاجزين عن الخوض فيها. وممارسة الصحافة التي تناضل ضدّ زمن ممنوح، يسهّل الكاريكاتور، وإطلاق اللعنات، والاتهامات، والضرورة القصوى في التوضيح التي تحتاجها مهنة الصحافي تقود أحيانا إلى التبسيط، أي إلى تجنب التعقيد.

يقول جان دانيال متحدثا عن صديقه ألبير كامو، “لوقت طويل دافعت عن ألبير كامو في وحدة كبيرة أمام الأنتلجنسيا المنتمية إلى الماركسية الجديدة، حتى من دون أن أشير إلى الاحتقار الذي كانت تظهره نحوه البورجوازية الأدبية اليمينية. وقد وجدتُ لدى كامو فكرا صلبا وحساسية مرهفة، لكي أشحن نفسي منهما باستمرار. وعندما يقول كامو في الخطاب الذي ألقاه في الاحتفال الذي أقيم على شرفه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للآداب في ديسمبر عام 1957 “أنا لا أرغب في إعادة تشكيل العالم، بل أرغب فقط في منع من يعملون على تخريبه وتفكيكه”.

أو عندما يستشهد بقولة سيمون فايل في الحرب الأهلية الأسبانية “في كلّ مرة ترفع فيها الأسلحة باسم العادلة، نكون قد وضعنا قدما في الظلم”. يقول دانيال “كان كامو هو الذي ساعدني على انتهاج أخلاق راديكالية ضد العنف الذي يستهدف المدنيين حتى ولو تم ذلك ردّا على عنف سابق. وأنا معه أيضا عندما يقول بأنه إصلاحي راديكالي. وهذا يعني: عليّ أن أذهب إلى نهاية عملية إصلاحية معيّنة قبل أن يتحوّل الاتفاق إلى تساهل ومهادنة”.
الشيء الذي يثير المفكر الفرنسي ويغضبه في عالم اليوم، هو الإهانة التي يراها في كل المجالات، والنضال ضد الإهانة، كما يرى جان دانيال، لا يتطلب منا معارف معينة، بل اليقظة الدائمة والمستمرة، ولذلك فإن علينا أن نبتكر قيما أخرى لكي نواجه المستجدات والتحولات الجديدة

تونس والأعداء والفناء

في هذه الفترة التي تشهد فيها فرنسا انقلاب العديد من مثقفيها الكبار على اليسار، كتب جان دانيال يقول “إذا ما شدّدتُ راهناً على أني سأظل يساريا دائما، وندّدتُ بمن ينفضّون عن اليسار، كما لو أنه تقليعة من تقليعات الموضة، أو لباس معيّن، فلأنني أعتقد اعتقادا راسخا بأن اليسار مفعم بطموحات المساواة، بل يمكنني أن أقول بأنه (عاطفي). نحن نراكم أشكالا عديدة من الحنين تجاه أزمنة الإيمان بمستقبل أفضل وبأيام أسعد. واليوم نحن لم نر من قبل أبدا أناسا جد أشقياء، لكنهم يبدون مع ذلك قادرين على منحنا شيئا منا. غير أني لست يساريا فقط كمثقف يحنّ إلى العائلة، بل كطفل مناضل، والشيء الذي يثيرني ويغضبني في عالم اليوم هو الإهانة في كل المجالات، والنضال ضد الإهانة لا يتطلب منّا معارف معيّنة، بل اليقظة الدائمة والمستمرة، وعلى اليسار أن يبتكر قيما أخرى لكي يواجه المستجدات والتحولات الجديدة”.

كتب جان دانيال عن الثورة التونسية، التي فجّرت ثورات العالم العربي، وعن الإسلام السياسي٬ وقارن بين ما سمّيت “ثورة الياسمين” وما بين الثورة المصرية في يناير 2011 من حيث عناصرها وتباشيرها وأسبابها، فيقول عنها كما قال عنها الجميع “لا يقود هؤلاء الشباب رجل خارق مثل عبدالناصر أو مهديّ منتظر من الخميني”.

ورأى في توحد الشعب في تلك اللحظات، حلم الأمة التي تجتمع على المطالب الواحدة مهمشة العنصر الإثني والديني، وتذكر بشيء من البهجة انهيار جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة والانتقال غير العنيف من النظام الشيوعي إلى الديمقراطية٬ لكنه في الوقت نفسه يرى أن الدول الشرقية التي تحررت من الشيوعية ومن الوصاية السوفييتية بدأت تعيش الرعب من البطالة والمخدرات والجريمة والفوضى.

التوازنات والصراعات في المنطقة العربية٬ يشير جان دانيال إلى نقطة جوهرية فيها؛ وهي شبكة العلاقات والمصالح والتوازنات التي تشكلها الحروب التي تخلق الاقتصاد المستفيد من الصراع الدائر٬ وقد استعار مراراً، في ذلك، العلاقة بين إسرائيل والدول العربية؛ بالقول “لم يتوان إسرائيليٌ عن كتابة أن إسرائيل تواجه خطر السلم٬ مفكرون عرب عدة كتبوا أن المعاداة للصهيونية هي أهم رابط للوحدة العربية”. فجان دانيال يؤمن بأن الأعداء يصلون حدّ تمنّي الفناء لبعضهم البعض، ولا يريدون للحروب أن تتوقف.

12