زمن كتابة الرواية

الأحد 2016/04/24
المخاض الخريفي الدّموي في عالمنا العربي

لا يستطيع أحد أن يفرض على الرّوائيّ ما يكتب إن لم يتفاعل مع ما يجري، والمشكلة في كتابة رواية عن المخاض السّياسي والصراع الدّيني والفكري والاجتماعي في سنوات ما أطلق عليه “الربيع العربي” هي ضبابية الفهم، وتلاحق الأحداث وعنف التطرف الراهن الذي تجاوز كل تصوّر، وإن كان له شبيه في التاريخ العربي والعالمي حين تسيّد الفكر الدّيني وانتزع السلطة، فتشابهت جرائمه، صكوك الغفران في قرون الظلام الأوروبي والحرق والإبادة لا تختلف عن ممارسات “داعش” وأخواتها.

كما أن تلاحق الأحداث واختلاط المعطيات تحيّر السّياسي ومحرر الأخبار فأصبح مجرد متابع ينقل ما يحدث دون تحليل حقيقي أو فهم للمستقبل، فكيف يمكن للروائي أن يكتب بعمق عن جنون التطرف والاستبداد والظلم وهو ما زال يعيش التجربة.. حين تصوّر وجهًا أو منظرًا تحتاج أن تبتعد مسافة عنه لتنقل تفاصيله جميعًا، ولهذا ما كتب من روايات عن المخاض الخريفي الدّموي في عالمنا العربي، العراق وسوريا ومصر وليبيا واليمن تميّز بنقل صورة مصغرة لهذا الانهيار الفكري والمجتمعي والسّياسي.

وربما كانت الكتابة عن إفرازات هذا المخاض في فنون بصرية وسمعية وأدائية أسهل بكثير من كتابة رواية تتميز بعمق الرؤية أو استشراف المستقبل.

هناك عدد من الروايات العربية التي رصدت التحولات الفكرية والمذهبية والاجتماعية التي استشرفت الإرهاب القادم، ونبّهت إلى خطر التطرف الدّيني تحديدًا، ومنها روايتي “مرافئ الوهم” الصادرة عن دار الآداب، ثم “أوغاريت” (عام 2005)، ثم “رغبات ذاك الخريف” عن الدار العربية للعلوم ووزارة الثقافة الأردنية (عام 2010).

تخطيط: ساي سرحان

وهناك روايات كتبت عن المخاض العسير الذي تمرّ به منطقتنا العربية، لكن عنصر التسجيل الواقعي طغى على الحبكة الرّوائيّة.. قد يستطيع الشاعر أن يرصد الحدث المتسارع في قصيدة، أما الرّواية فلا بد للكاتب من الإلمام بمجمل الصورة ليكتب فنًا روائيًا لا تاريخًا ينقل الواقع، فهذا مهمة المؤرخ.

لكن أفضل الروايات العالمية التي كتبت عن الاضطرابات والحروب في بقاع العالم لم تكتب أثناء الحرب، بل بعدها بمدة، لأن الرّوائيّ/الرّوائيّة، يحتاج وقتًا ليفهم ويلمّ بالصورة الكاملة، التي يبدو أنها لغرابتها وتشابك أحداثها وأطرافها الإقليمية والدولية تغيب حتى عن السّياسيين وأصحاب القرار.. والبعد قليلًا عن الحدث يخلّص الرّوائيّ من التحيز لمشاعره تجاه ما يحدث. الروايات الفارقة في الفن الرّوائيّ العالمي مثل “الحرب والسلام”، و”دكتور زيفاجو”، و”لمن تقرع الأجراس″، كلها لم تكتب في خضمّ الأحداث، لهذا طغى فنها الرّوائيّ على إغواء التاريخ ومحاولات رصده.

وفي ظروف الفتن والصراعات وضبابية الرؤية تظهر روايات تستقرئ التاريخ، الذي يحيل أو يمكن إسقاطه على الراهن، لتتشابه الفتنة الكبرى التي نعيشها، مع كثير من الفتن الدّينية والسّياسية، عن صراع الطوائف واحتكار الحق، واضطهاد الأقليات والتهجير والنخاسة وسبي النساء وتغييب العقل، فيلجأ الكاتب أحيانًا إلى إسقاط التاريخ على الراهن متجاوزًا الرقابة الذاتية والخوف من فكر متشدد قد يلاحقه.

كاتبة من الأردن

12