لغة التوثيق والتأريخ

الأحد 2016/04/24
وضع راهن يحمل من ظلاميات وفوضى تعسفية تصل للدموية

على مرّ العصور السابقة والحالية عانت الإنسانيّة صراعات مهما كان ظاهرها فخلفها عادة تروس الاستبداد السلطوي السّياسي والدّيني.

كل كاتب له أدوات حسبما يتأتّى له من ملكة ومهارة يطوّعها لخدمة تقديم أفكاره من خلال السرد. فالمُطّلع على الروايات الصادرة في الوقت الراهن والذي يشكل حقبة مفصلية في المنطقة العربية، يجد أن الرائج هو ذات الثالوث المفضل على ما يبدو للكاتب والناقد على حد سواء: السياسة والتاريخ والجنس وهناك دائمًا خطوط عريضة تعكس مهاجمة الدين والمعتقدات السائدة. (مع العلم ليس من الحصافة التعجل في الكتابة عن حقبة غير مستقرة أمام أحداث لم نستقرئ بعد آثارها على المدى القريب والبعيد بشكل واضح، على المجتمعات والفرد. يكفي أن نتذكّر توقف الرّوائيّ نجيب محفوظ عن كتابة الرّواية، لمدة خمسة أعوام بعد قيام الثورة المصرية، في خمسينات القرن الماضي).

نموذج: نظرة سريعة على قائمة الروايات التي اعتلت بذائقة المحكمين في المسابقات الرّوائيّة المشهورة في الوطن العربي خلال السنوات القليلة الماضية، نجد اختياراتهم قدمت لواجهة المكتبات ما يؤكد هذه الظاهرة. وكأنما الرّواية العربية لا يجب أن تخرج عن هذه النمطية والمحدودية. ببساطة معظمها روايات تتحدث عن نتائج وحصيلة وضع بحيث نجد عيانًا لغة التوثيق والتأريخ لأحداث من وجهة نظر الرّوائيّ تنقل على لسان شخوص أعماله ولا يتوانى بعض الكتاب عن السقوط في التقريرية وبالتالي إنقاص أدوات السرد التي تميزه. بينما بنظرة فاحصة للأدب العالمي لكتاب أنتجوا روايات تعكس حقبة حفّتها الحروب والصراعات السّياسية والدّينية لن نجد ولا حتى عملا واحدا يعود لكاتب من الوطن العربي.

على الرغم من أن سبب ما تعانيه الكثير من المجتمعات لدينا، من الاستبداد الدّيني والسّياسي، نتيجة لتمجيد ما كتب سابقًا من أفكار سياسية ودينية تنقصها الحيادية والموضوعية، فنجدنا أمام وضع راهن، يحمل من ظلاميات وفوضى تعسفية تصل للدموية لن تغفرها لنا أجيال قادمة، بأيّ حال.

مع معطيات العصر الراهن من علم وتقنية وطرق بحث متطورة من الأجدر أن ندرس بعقلانية وموضوعية أسباب ما وصلنا إليه من تمزّقات وتفكّكات وسلسلة إشكاليات سياسية متفاقمة دون كلل وزجّت بنا في حروب وبراثن جماعات متطرفة سياسيًا ودينيًا. كل ذلك طال المجتمعات والمؤسسات القائمة على خدمتها على حدّ سواء. من الأجدر أن نحلل وندرس اللبنة الأولى التي تشكل المجتمع وهي الذات الإنسانيّة ومعطيات كل بيئة، والرجوع لمبدأ القيم والمساواة والسموّ الأخلاقي. العلم والدراسات الموضوعية تقدّم ما فيه تأكيد لقيمة الإنسان من خلال فتح أبواب تبادل الأفكار، وتقديم مصلحة الإنسانيّة، على أيّ من الأفكار التي أثبتت فشلها بالتجربة والبرهان حتى وإن ورثت من الأجداد، بعد أن أُكدت عدم جدواها للبشرية ومعطيات عصرنا الراهن.

الأقلام التي تسمو بمجتمعاتها، هي من تأخذ بهذه المعطيات بوعي دقيق بمعرفة أسباب ما نحن فيه الآن وما يجب علينا أن نكونه. بعض الأصوات السلبية تتحدث بأن لا داعي لتقديم ما يسهم برفعة الإنسان والمجتمعات من خلال الأدب، عمومًا هي ذات الأصوات التي تهتف مع التيارات الظلامية بسقوط الضمير والإنسانيّة.

نأمل في توفر أقلام في الوقت الحالي تقدّم سردا ينير الدرب لجيلنا وأجيال قادمة من بعدنا مدركة أثر الحرف المقروء في العقول المتلقية ومصائرها. المواضيع التي تعبّر عن عصرنا هذا ليس لها حصر ولا يوجد سبب للتكرار والدوران في حلقة مفرغة. فلتفتح الأبواب لعوالم أرحب تتناول الهم الإنساني بعمق أكبر من ناحية الأفكار والمواضيع وأسلوب السرد، حتى مواضيع الثالوث الذي تحدثنا عنه بدءا، من الممكن تقديم مواضيعه بمنظور جديد، من خلال أساليب مبتكرة في السرد، وتفادي الزجّ بأفكار وآراء تنقصها الحيادية والموضوعية، تلقي بأدبنا بعيدًا عن ذاكرة الغد، وحتمًا ستعوقه عن الوصول إلى أرفف المكتبات العالمية.

كاتبة من السودان

14