كتب لن تعد ولن تحصى

الأحد 2016/04/24
صرخة ضدّ الظلم

الكتابة فعل مزاجي، تختلف دوافعه وأسبابه وظروفه بين الكتّاب باختلاف أمزجتهم. ومن هنا يصعب الجزم في سجالات تدور أصلًا على أشياء متقلبة وغير ثابتة. هل الكتابة ممكنة في لحظات الدّم؟ الجواب نعم ولا.

فالكتّاب -أو الفنانون عامةً- لا يتفاعلون جميعًا بالأسلوب عينه أمام الموقف نفسه. لذا نجد أنّ بعضهم يُستفزّ أمام العنف المحيط به، فيلجأ إلى الكتابة على اعتبار أنها انفعال لغوي، أو صرخة ضدّ الظلم، وأحيانًا صرخة ضدّ الصمت.

وثمّة من يجد في الكتابة وسيلة تعبير ووجود ينتقم عبرها لضحايا “مساكين” سالت دماؤهم عبثًا من غير أن يسمح لهم أحد بأن ينطقوا، ولو بكلمة واحدة. وبعض الكتّاب يرى في الكتابة فعلا حميميا يهرب إليه من ضغط اللحظة الدّموية الراهنة وقسوتها. فتكون الكتابة عندها مرادفًا للهرب من الخوف أو لنقُل من الموت، تمامًا كما يهرب الناس العاديون القابعون تحت أزيز الرصاص ودويّ المدافع إلى الجنس، بحيث تزداد نسبة المواليد في الحروب، كأنّهم بذلك يستخدمون لغة الحياة بدلًا من لغة الموت.

أمّا النوع الآخر من الكتّاب فيصير عاجزًا عن الكتابة أمام كلّ مشاهد الموت والدّم من حوله. ومنهم من يتجه نحو البحث عن جدوى الكتابة، في زمن تفقد فيها الأشياء معانيها.

الإنسان نفسه يفقد قيمته، ومعنى وجوده، فيقضي رخيصًا، وأحيانًا رقمًا مجرّدًا من اسمه وكيانه وهويته. وفي كلتا الحالتين، يواصل الكتّاب، كلّ الكتّاب، إبداعاتهم بعد انقضاء اللحظة الدامية (الحرب) وانجلاء الصورة، فتصير أزمة الأمس محركًا فنيًا جوهريًا، بل تُشكّل منعطفًا في المسار الأدبي برمّته.

وليس الدليل على ذلك سوى الحروب الكبرى التي غذّت الأدب العالمي على مدار عقود، وما زالت. وعلى أمل أن يتخلّص عالمنا العربي من كلّ هذا الخراب والموت الأشبه بكابوس طويل، سيأتي يوم نقرأ فيه عن مأساة “العربي” في كتب لن تُعدّ ولن تُحصى.

كاتبة من لبنان

12