ما لا يرد في نشرات الأخبار

الأحد 2016/04/24
أكتب لأصنع الحرية لنفسي

بالنسبة إليّ، حين يجيء الموت، ذلك الشيء الذي لم أعثر على تفسير له بعد، ولم يسبق لأحد أن عاد منه، ليخبرنا ما هي الحقيقة، كما قال درويش، فإنني أقف مطأطئة قلبي أمام عصيانه على الفهم والتحليل، أسبابًا ونتائج. إنه عسير أن تكون الكلمة مخلصة في زمن الصراع، التجاذب، الاستبداد. ومرهق، أن تكتب فيما الحرب تدور في الخارج، وآلتها تجرّف الأرواح، لأنك تكتب في مرحلة لا يجد أحد أثناءها وقتًا ليقرأ، ولا يملك أحد صفاء الروح ليعي، ولأنك تخاف أن تقع روحك في فخ الشعور باللاجدوى.

بعضهم يمسك بزمام الأمور في الخارج، وأنت كالممسوس تدوّن، تعدّل ميزان الأشياء على الورق، بدعوى أن هذا ما يجب أن تكون عليه الأمور، وشئت أم أبيت، اعترفت بذلك أم لا، إنك تكتب كي تلوذ بنفسك، تكتب كي تختبئ بداخلك، تكتب، كي لا تفقد عقلك.

ماذا تكتب في هذه الأثناء؟ إنك تدوّن. تسجّل ما لا يرد في نشرات الأخبار، الصحف، خطابات المسؤولين وخطب رجال الدين. كل ما يقع خارج هذا هو قلب الحقيقة، وهو ما تبحث عنه، تختزنه لتستعيده، وتحتاج أن يمضي الوقت عليه حتى ينضج فيُروى.

بعضنا يجمع حطام المدن التي طالها الدّمار ويعيد بعثها في النص، بعضنا يستعيد الوقت الذي غادر إلى غير رجعة، بعضنا يرصد الحالة العامة ويحاول تفسيرها، وأنا أجرّب أن أعترض، إنّني وبعد أن تساقطت من حولي المفاهيم والشعارات واحدة تلو الأخرى منذ بداية ما أسمي بـ"الربيع العربي" وإلى الآن، أتمرّد على نفسي قبل المستبد، أكتب لأصنع الحرية لنفسي، أستيقظ كل صباح وأعدّ كلماتي بمساحة سنتيمتر إضافي من الحرية والإنسانيّة، أنحت الكلمة كي تشبهني قدر المستطاع، لا أريد لأيّ فكرة أن تقع محل عورة فأسترها عن الكلمات، إنني أربّي نفسي على الحرية من دون أن أطلبها أو أطالب بها، أرهق نفسي بممارستها في النص وأترك له أن يفعل فعله بالمحيط.

لا أكتب العام، أكتب الخاص، والخاص جدًا، غير أنه، وحده الذي بإمكانه أن يعكس ما يجري، وهو وحده الذي لن تجده في مواد كل أجهزتنا الإعلامية الضخمة، وهو الذي لا يلتفت إليه أحد لا في مجريات حرب، ولا في مفاوضات سلام، وهو وحده الذي بعد أن ينقضي كل هذا، سيدلّك على الحقيقة.

كاتبة من البحرين

14