الرسالة الإنسانية

الأحد 2016/04/24
الأدباء هجروا واحات خيالهم

كان الأدب العربي وما زال منذ زمن الوقوف على الطلل، يشكل سجل العرب. سجل أحداثهم بحلوها ومرّها، وقائعهم بهزائمهم وانتصاراتهم، مشاعرهم بأحزانها وأفراحها، العربي بكبريائه وعنفوانه، وبغض النظر عن جنس الأدب الذي سطر به الأديب تضاريس واقعه كون العمل الرّوائيّ ظهر حديثًا إلا أنه أصبح الأبرزِ وفق اللحظة وعشق القارئ.

ومع الأحداث الدامية التي تشهدها الساحة العربية في ظل استبداد أنظمة سياسية قمعية ومؤسسات دينية منغلقة، نجد أن أدب الرّواية ليس بمنأى عن هذه الصراعات، حيث أصبحت الرّواية عبارة عن تقرير ورصد للواقع بعد أن استمدّ الكاتب مادته وشخوصه ولغته من واقعه بتفاعل كبير لا يمكن أن ينفصل عنه ممّا يجعله عرضة للاضطهاد والملاحقة وربما التصفية الجسدية من قبل المؤسسات الدّينية والسّياسية إذا تعدى الخطوط الحمراء غير المسموح بتجاوزها.

لقد هجر الأدباء واحات خيالهم وجداول بوحهم بعد أن تصدعت قلوبهم حزنًا وقطرت أقلامهم وجعًا.

الرّواية التي كان هدفها المتعة القائمة على الفائدة والقيمة الفنية والجمالية للعمل الإبداعي، حين كان يسطّرها الكاتب بمتعة الكتابة ولذّتها صارت تكتب بعمق الألم وقسوته لإحساس الكاتب بمعاناة هذه الشعوب في ظلّ حروب وإرهاب دمويّ، وانتهاك يومي لحقوق الإنسان العربي، لقد تلاشت هذه المتعة المنشودة والكاتب يوغل في أوصاف الخراب والقتل والدّم والألم رغمًا عنه.

إن الرّوائيّ وهو يشهد مأساة الإنسان العربي في زمن النزاعات المسلّحة كما هو الحال في سوريا الحبيبة وغيرها من الدول التي تعاني إبادةً وخرابًا شاملًا، وتشردًا لأبنائها وتفكيكًا لنسيجها الاجتماعي، لا يسعه إلا أن يسطر ملامح هذه المعاناة وقسوة أحداثها كتخليد للحظة بريشة فنان يحترق ألمًا، وطمعًا في توجيه الرأي العام نحو احترام قيمة الإنسان وكذلك نقل هذه المآسي للأجيال القادمة بنزاهة قلم وحسّ أديب مرهف.

لربما كانت إبداعات أدب الرّواية تجد لها طريقًا في تغيير سلوك الإنسان واحترامه لإنسانيّة غيره بدرجة لم تحصل عليه طرق البشر الأخرى في التوجيه.

وبرغم قسوة وعنف الأحداث التي يشهدها الوطن العربي يجب أن تبقى رسالة الأديب قائمة على غرس الأمل في مستقبل أفضل وتنوير الأجيال بقيمة الإنسان الذي هو أسمى من أيّ قيمة أخرى، عليه بثّ روح المحبة بين فئات المجتمع بكل طوائفه التي خلقتها مؤسساته الدّينية المغرقة في التشظي والاختلاف، الكتابة الأدبية رسالة إنسانيّة سامية تقوم بتخليد الأحداث بحيادية للتاريخ بقالب القصة الشيّق الذي لا يملّ.

على الكاتب الرّوائيّ ألاّ يحصر قدرته الإبداعية في صوغ فكرته المتحيّزة نحو توجه ما، بل هي رسالة إنسانيّة شاملة.

كاتبة من اليمن

15