الخروج‭ ‬من‭ ‬القمقم

الأحد 2016/04/24
نعيش بلا رؤية واضحة لما سيؤول إليه التقسيم في منطقتنا العربية

كتبت ذات مساء عن علاقة الأفراد بالزمان والمكان أن "المكان والزمان محددات وهمية لحياتنا، تفرضها علينا طبيعتنا البشرية المحدودة"، كما قلت عن ذواتنا البشرية في وصف لحالنا حين نكون بين حالين "الخط الفاصل بين العتمة والضوء، ربما يكون ذاته الفاصل بين الحياة والموت، هناك منطقة مخفية لا بد أن تعبر خطواتنا إليها، نعبر مرحلة نتركها خلفنا ونستقبل أخرى بلا تهيئة تليق بها".

الحقيقة أنني كلما تطلّعت إلى الأمر الواقع الذي نعيشه في أيامنا هذه أيقنت أننا نعيش بين حالين بلا رؤية واضحة لما سيؤول إليه الأمر أو التقسيم في منطقتنا العربية.

هناك من الوضوح في تردّي الحال الذي تعيشه المنطقة ما يخيف الرائي والكاتب على حد سواء، فحالة التشويه للإنسان والإنسانيّة في أيامنا هذه تشابه حالة التردي التي كانت تعيشها القارة الأوروبية في العصور الوسطى حينما كانت ترضخ للاستبداد الدّيني والسّياسي مجتمعين للسيطرة على الشعوب بإحكام قبضة الحاكم من خلال المباركة الدّينية التي تمنح له على أنه وريث الله على الأرض بل هو المخوّل بتنفيذ وتدبير أمر البلاد والعباد.

ذاك الحال بينهم كان بالأمس البعيد، أما اليوم فقد انتقلت عدوى الظلم والاستبداد إلى بلادنا العربية لتشمل كرامة الإنسان ووطنيته واحتياجاته فتغلبه تارة وطنيته ليستميت في الدفاع عن الأرض والعرض وتغلبه تارة احتياجاته اليومية فها هو الجوع والخوف والمرض أعداء الفكر والحرية للإنسان يسيطرون في المنطقة العربية التي ترضخ تحت ذلّ الحاجة والضعف لا لأمر إلا لسيطرة الغرب على منابع القوة واستغلالها أسوأ استغلال لتحقيق كافة المكتسبات السّياسية لإعادة توزيع القوى ورسم حدود جديدة تتيح إزالة دول وبناء دويلات وتثبيت كيانات تم خلقها في زمان غادر، لتحقيق السيطرة على القوى الاقتصادية في المنطقة العربية يساعدها بذلك خلق أطماع ومكتسبات لبعض الدول الشقيقة على حساب شقيقاتها الأضعف.

ولأننا نعيش بين حالين نجد أنفسنا مقيدين بزاوية محدودية النظرة إذ كيف للإنسان فينا أن يلمّ بالأمر كله ليخلص إلى نتيجة ترضيه أو هدف يسعى إليه.

كل هذه الثورات والدّماء التي تستباح لا تترك للكاتب إلا همًا أكبر ووجعًا ومسؤولية أشمل إذ عليه أولًا أن يحرر ذاته من قمقم الخوف الذي يقبع في داخله إمّا لمصلحة وهمية أو خوفًا من سلطة آنية. وحده القلم الحر من الحاجة أو الأطماع هو القلم القادر على إعادة تدوير وتنوير وإحداث الفرق بين الصفوف وفي الأفكار. نعم لقد تردى الوضع إلى الأسوأ وبات الأمر موجعًا حد الخديعة، حتى نحتمل لا بد أن نوهم أنفسنا بحلول قادمة ولو بعد حين.

كاتبة من فلسطين

14