يونيو 08, 2016

مواجهة الفراغ

بدأ يسترعي انتباهي في أغلب الندوات التي أحضرها أو أشارك فيها، في السنوات الأخيرة، تخلي المنظمين عن فقرة النقاش أو الأسئلة، حيث بات خطاب المحاضر في اتجاه واحد، منه إلى المستمعين، الذين عليهم مناقشة المضامين والمقاصد بينهم وبين أنفسهم، أو بين بعضهم بعض، بعد انفضاض الجمع، أو أن يكتبوا رأيهم بعد ذلك في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، أو أن يكتفوا بالفهم والاستيعاب ثم نسيان الأمر جملة بعد ذلك. ولعل تكرار مبدأ الخطاب التلقيني ذي الاتجاه الواحد، الشبيه بالتعليمات، يبدو متولدا عن حالة الخرس الصادمة التي هيمنت على مجمل اللقاءات الثقافية منذ نهاية سنوات التسعينات من القرن الماضي وبدايات العشرية الأولى من القرن الحالي، التي مهدت لما سمي بانتفاضات الربيع العربي، حيث بات الجمهور -في الغالب الأعم- مكتفيا بالاستماع، وملء جنبات القاعات والمدرجات، لضرورات المجاملة، قبل أن ينفض على عجل.

وبتجربة سنوات طويلة تأكد لي أن من يسهر على تنظيم لقاء فكري أو أدبي يساهم فيه أدباء ومفكرون وباحثون، لا يجول في حسبانه حرمان الحضور من الكلام وطرح الأسئلة، لكنه الوجل من مواجهة الفراغ، بمعنييه الحسي والمجازي، سواء بدلالته على الإضراب عن الكلام أو قول أي شيء، هو الذي يحدو بالمنظمين إلى الاحتراز من مواجهة الجمهور، ومن ثم أضحى الرهان الأساس على عدم إفساد الندوة بكلام لا معنى له، والنزول بالخطاب من حال المتعة والفائدة إلى الإسفاف والتعويم، لا سيما بعد أن أضحى مألوفا أن تنزاح مساهمة الحضور، في اللقاءات الثقافية العربية، من عتبات التساؤل والتعقيب إلى كيل المديح أو الشتائم، و نقل الحديث من دفة إلى أخرى لا تتصل بالأولى بسبب، ويكون القصد فيها إثبات الوجود، وأداء الواجب تجاه جماعة أو حزب أو طائفة.

استحضرت كل هذه الأفكار بعد أن حضرت قبل أيام محاضرة للمفكر المغربي عبدالإله بلقزيز عن الحداثة وما بعدها بمقر أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، حيث تحدث باقتدار وألمعية عن أسس الحداثة الغربية من عصر النهضة إلى اليوم، و من المعمار إلى الجماليات، إلى الفكر، إلى تمثل العلاقة بالدين، وقدم تصوره عن الحداثات والعلمانيات التي تفترض التعدد ولا تؤول إلى مفهوم واحد، وأعطى نماذج من أفكار سبينوزا وهيغل وماركس وفرويد ونيتشه وفوكو… وحلل التمثل العربي للحداثات. كانت محاضرته عميقة وجريئة في أحد معاقل التقليدية في المغرب؛ لم أستغرب بعدها ذلك السيل من التعقيبات السطحية والمتزمتة والكارهة للحداثة والعامدة في كل مرة إلى الرجوع بالنقاش إلى الماضي، كانت الخيبة بادية على عبدالإله بلقزيز بينما كنت مندهشا من حجم الترهل الفكري الذي وصلت إليه نخبة النخبة في البلد.

كاتب من المغرب

15