رفعت الجادرجي معماري أرخ للمكان ويتأسى على إهمال منجزه في بغداد

السبت 2016/08/27
الجادرجي وجدلية الحرية والجمال

تونس- تكرر اسمه بقوة في العراق في العام 2004، حينما كلّفه ما سمّي بمجلس الحكم، وقتذاك، بتصميم علم جديد للعراق، إلا أن الفكرة قوبلت بغضب صارخ ورفض شديد من قبل العراقيين، رغم أن تصميم العلم كان باهتا، حتى أن أحد الكتاب تخيله، بعد أن شاهده منشورا في إحدى الصحف المحلية في بغداد، إعلانا لعلبة دواء تركي.

لم يؤثر هذا الأمر في تلك المزايا الرفيعة التي احتفظ بها رفعت الجادرجي المولود في العام 1926. تناسى العراقيون ورطته تلك، وجدلهم بشأن استبدال علم بلدهم أثناء الاحتلال الأنغلوأميركي، ليتذكروه دائما بوصفه معماريا من طراز خاص، شيّد لهم في ستينات القرن الماضي الجندي المجهول، وصمم نصب الحرية مقترحا اسم صديقه جواد سليم لتنفيذه، إضافة إلى العديد من الشواخص المعمارية التي باتت ملمحا راسخا من حداثة العمارة في بغداد.

إسهاماته في العمارة من خلال مبان ومشاريع معمارية شديدة الخصوصية والتنظير لها، أهّلته كي يكون في طليعة المعماريين العرب منذ ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين. ذلك يعني أنه كان من المشاركين في تأسيس المجتمع المدني في عراق هذا العصر. فالعمارة ليست طرز مبان نسكنها، إن مفهومها يدلّ على كونها كيانا يشاركنا العيش والوجود والمعرفة، وأثرا قابلا للتغيير والتقدم والتجدد وابتكار عالم ممكن، يبدأ من التاريخ ليطل على المستقبل.

لم تكن أشواط حياته هانئة تماما، حتى وإن صار محاضرا في جامعة هارفارد أو جامعة لندن، أو حصوله على جائزة الأغا خان في العمارة وجائزة الشيخ زايد للكتاب، بل كابد هذا البغدادي الأنيق، السجن والأذى، لمدة عشرين شهرا، قضاها بين أحد أقبية المخابرات العراقية وسجن أبوغريب، لأسباب لا تخلو من الكيدية والحقد، وبعدها الهجرة عن بلده العراق منذ ثمانينات القرن الماضي.

خصومة السياسي

المنجز المعماري للجادرجي، يحتفي بفرادة المقاربة ما بين الحداثة وروح المكان، ليس ثمة غرابة تذكر لشواخصه المعمارية، هي عراقية تماما، وكأن عمارته هي نتاج الصلة المتخيلة بين الجوامع والمساجد والدور القديمة والخانات والأسواق

هو المنتمي إلى أسرة بغدادية عريقة. والده كامل الجادرجي، أحد أبرز السياسيين أثناء الحكم الملكي للعراق، ومن معارضيه أيضاَ. سجن للعديد من المرات، وكان شخصية ليبرالية بامتياز، ونموذجا لما أفرزته الطبقة البغدادية الوسطى بعد نشوء الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن العشرين. أسس جريدة “صوت الأهالي”، التي كشف من خلالها فساد الطبقة السياسية المحيطة بالعائلة المالكة في ذلك العهد. وأصبح رئيس أول جمعية للصحافيين العراقيين. وشارك الاقتصادي العراقي محمد حديد والد المعمارية الراحلة زها حديد، في تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي عام 1946.

لم تعن السياسة الشيء الكثير للجادرجي الابن، ولم يحمل من إرث والده السياسي شيئاً يذكر، لكنه سيتذكر بشغف اهتمام ذاك الوالد، عبر تصميم الأثاث وبالتصوير الفوتوغرافي والحديث عن الفلاسفة والمفكرين. كل ما تبقى من الإرث هو الشغف بالتصوير والافتتان بالمعرفة. حتى بات منظّرا في مجال العمارة، ذلك النوع الذي ننظر إليه، غالبا، بوصفه ممارسة شديدة التعقيد وباهظة الكلفة.

غادر العراق عام 1946 لدراسة العمارة في مدرسة “همرسميث للفنون والأعمال” في لندن، والتقى هناك الفنان جواد سليم، وانعقدت منذ ذلك الوقت صداقة دائمة، عززتها حواراتهما في الموسيقى والمسرح والفنون الأخرى، ويذكر عن ذلك “نتحدث عن الفن والتصوّرات المعاصرة، وهو يكلّمني عن آخر مشاهداته للمعارض والمسارح وحضوره الحفلات الموسيقية”، وبات الجادرجي بعد ذلك من المولعين باقتناء أعمال هذا الفنان.

عمل الجادرجي بعد عودته إلى بغداد في العام 1952 على تأسيس مكتب “الاستشاري العراقي”، مع معماريين آخرين، المكتب الذي رفد العمارة العراقية لمدة تجاوزت العقدين من الزمن بمشاريع ومداخلات تصميمية مفعمة بالقيمة الاحترافية والمستوى المهني والجمالي الخلاّق. عيّن رئيساً لقسم المباني في مديرية الأوقاف العامة، ثم مديراً عاماً في وزارة التخطيط العراقية في أواخر خمسينات القرن العشرين. أهلّه منصبه كرئيس لهيئة التخطيط في وزارة الإسكان، في خمسينات القرن الماضي للاتصال برئيس الوزراء عبدالكريم قاسم، الذي طالبه بإنشاء ثلاثة نصب لم يتحقق منها سوى نصبين، “الحرية “و”الجندي المجهول”.

نصب الجندي المجهول الأول في بغداد قبل استبداله بآخر

في خمسينات القرن الماضي كانت ثمة مغامرة حداثية تعيشها بغداد، وبدافعية ثقافة تأسيسية كي تكون مدينة ناهضة تظهر نبلها وروعتها وتعيّن وجودها بآمالها العتيدة، وتسعى إلى أن تطل على المستقبل وتشير باتجاه المدنية ومكاسب الحضارة. تشارك المعماريون العراقيون العائدون تواً من بعثاتهم الدراسية في جامعات عالمية مرموقة، مع الشعراء والفنانين والأدباء في تشييد هذا الحلم، استطاعوا اجتراح حضور متقدم، ومع تجارب محمد مكية، قحطان المدفعي، قحطان عوني، رفعت الجادرجي وآخرين.

افترض مشروعهم لرسم واقع معماري حاشد برؤى جادة، ومحاولات لابتكار مفاهيم معيّنة في العملية التصميمية للممارسة المعمارية، لتشكل قطيعة تامة مع معمار المدينة السابق، ولتحقق بتوجهاتها الأسلوبية وطروحاتها النظرية موقعا مرموقا في الخطاب المعماري العربي والإقليمي. منذ ذلك الوقت بدأت تشخص عمارة مختلفة في طبيعة الشكل وتوظيف الأساليب والمواد الإنشائية الحديثة ومنظومة الخدمات الهندسية المتعددة في نسيج المباني الجديدة.

وكانت أيضا ذات صلة بالنجاحات التي حققتها العمارة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كان بعضهم يميل إلى تكريس حداثة الأسلوب العالمي، فيما ظهرت تجارب تتمثل تراثها المعماري المحلي والوطني. لقد تم تسجيل تلك المشاريع كمعالم خلاقة على الصعيدين العربي والإقليمي. بغداد خمسينات القرن العشرين تلك استضافت كذلك معماريين عالميين مثل فرانك لويد رايت، لوكوربوزيه، غروبيوس، وجيوبونتي.

أما المنجز المعماري للجادرجي فيحتفي بفرادة المقاربة ما بين الحداثة وروح المكان، فليس ثمة غرابة تذكر لشواخصه المعمارية، هي عراقية تماماً، وكأن عمارته هي نتاج الصلة المتخيلة بين الجوامع والمساجد والدور القديمة والخانات والأسواق، تلك التي تمت إعادة تمثيلها في شاخص معماري واحد تم تشييده بألفة خيال خاص.

عمارة شاهدة على وجودها عبر أشكالها ودالة على سمة بقائها الدائم، تستمد مرجعياتها من بيئتها ومحيطها من ملمح مكانها الوطني بجمالياته وبعده التاريخي وخصوصية التعالق معه، لكنها أيضا، ستتمثل حساسية المواءمة بين التقليدي وحتمية الحداثة وتقنياتها، مستفيدة من خصوصية المادة الإنشائية التقليدية وجعْلها حاضرة في نسيج العمل التصميمي، وكذلك عبر ولاء شديد لخبرة تجريبية تنحو إلى تجريد المحلي وتعزيز قيمه الجمالية بمعزل عن وظائفية الشاخص المعماري. وهو المنجز الذي أكد نهجاً إقليمياً معلناً في المشروع المعماري العربي الحديث.

الخسارات والحرائق

ظل نصب “الجندي المجهول” حاضرا في ذاكرة البغداديين لمدة تجاوزت العقدين لطبيعة موقعه وسهولة رؤيته. كان يشخص في وسط ساحة الفردوس في جانب الرصافة، اعتاده البغداديون كصورة راسخة في ذاكرتهم اليومية. كان بناء يشبه القوس ينطوي على أسلوب مميز وفريد، ذا صفة تعبيرية خالصة، جميل باختزاله، شديد الأناقة والبساطة. حتى عام 1982، حين أمر الرئيس السابق صدام حسين بإزالته، شعر العراقيون وقتئذ بأن جزءاً من ملمح ذاكرتهم قد علاه الغياب.

السياسة لم تعن الشيء الكثير للجادرجي الابن، ولم يحمل من إرث والده السياسي شيئا يذكر، لكنه سيتذكر بشغف اهتمام ذاك الوالد، عبر تصميم الأثاث وبالتصوير الفوتوغرافي والحديث عن الفلاسفة والمفكرين. كل ما تبقى من الإرث هو الشغف بالتصوير والافتتان بالمعرفة

حينما أخبره أمين بغداد واجماً، بأن “الجندي المجهول” قد جرى هدمه، كان وقتها يشغل منصب مستشار أمانة بغداد. تناول كاميراته الفوتوغرافية ليوثق المراحل الأخيرة من الهدم، لقد صوّر نفسه بالقرب من الأنقاض مع الشخص المشرف على عملية الهدم، وقال عنه الجادرجي بأنه كان “من الأشخاص العاملين من الذين تميزوا بقدرتهم على الهدم بطريقة فنية وبأقل التكاليف”.

كان يبدو وجعا مخلوطا بالإعجاب. لكن حينما سئل بعد سنوات عن شعوره لحظة رؤية الهدم قال بأنه ليس بالشخص الذي يبكي على ما يخسر، إلا أن ألمه يبقى قائما بأثر عجز المجتمع العراقي عن الحفاظ على ذاكرته. لقد عمّر العراق كثيرا على مرّ الزمن التاريخي الذي مرّ به، لكنه هدم وخرب الكثير ممّا أنجزه، ومن دون أن يتصدى المجتمع لهذا الخراب والهدم، والدفاع عن حقوقه في تراثه وذاكرته الوطنية.

من صلب هذا الوجع والشعور الحاد بالخسارة، كان الجادرجي يحتفظ بطموح لم يتحقق، أن يسعى لتأليف مبادئ لعمارة عراقية عبر تلك المشاريع المعمارية الكبرى التي لم ينجز بعضها وبعضها الآخر قد أهمل، لقد نفّذ من نتاجه التصميمي القليل، منها نصب الجندي المجهول العراقي، بناية البريد المركزي في السنك، مبنى اتحاد الصناعات العراقي، مبنى مجلس الوزراء والمجمّع العلمي العراقي.

بقي يؤمن بأن البناء الحضاري يتقاسمه جانبان، عملية الإنجاز والجانب الأهم الحفاظ وصيانة ما أنجز. إن هذه العلاقة هي من تمثل ذاكرة الشعب وتكوّن وجدانه. واليوم يتأسّى لأنه لم يتبق الكثير مما هو جميل وتاريخي في العراق، حتى أن مبانيه التي صممها طالها القصف الأميركي، أحرقت دائرة البريد وبناية اتحاد الصناعات في العام 2003.

الجادرجي إستوحى فكرة نصب الجندي المجهول من إنحناء الام على وليدها

ثمة حاجة يعيّنها الجادرجي لدى الإنسان يدعوها بالحاجة الجمالية التي تتأتى ضرورتها من جعل الحياة محتملة وممتلئة بالمتعة، تتجاوز ملل الوجود وعبثه وتدعوه للامتداد خارج الزمن، هذه الحاجة التي ينتجها عالم الفن والعمارة والمعرفة، تجعل الذات هانئة ومليئة بالطمأنينة. إلا أن تعطيلها يعني إحداث عجز في حصول تطورات في الاجتماع و المعرفة، بل وتكشف عن تقدم حالات تتصف بانهيار الذوق والرجوع إلى أشكال الماضي وأيديولوجيات أصولية وهوس هموم البقاء.

لذا يؤلف قصور الحاجة الجمالية للإنسان حالة عجز وجودي ووعي خانق ومأساوي يتم تمثّله عبر هيمنة الحاجة الرمزية، خاصة في المجتمعات التي تقودها الأصوليات والموجات الدينية المتشددة واستبداد السلطة الفاسدة، محققة مآسي جماعية تدل عليها هويات مهزوزة عاجزة، تبتكر قوى الأشباح لتحتمي بها، وتنزلق تالياً في متاهات عالم الأرواح والجن والآلهة والمعجزات وغيرها من أوهام مبتكرة.

يصف الجادرجي الحاجة الجمالية بأنها نوع من تقنية اجتماعية تتصف بالفكر والحدس والمهارة، وتدرج كمعرفة تعزز من صيغ المعيشي والمجتمعي. لذا يؤدي العجز في تهيئة علاقات متوافقة معها، إلى لحظات انهيار مرجعي ما يدعو إلى فساد الحس الجمالي للمجتمع. بذلك يوصي الجادرجي بأن تعطيل القدرات الحسية للمجتمع بوصفها قدرات تعبيرية تطورت مع مدركات الإنسان الحسية عبر تاريخ وجوده، يؤدي إلى تشويه الحاجة الجمالية وتبلّدها، ويسمح بهيمنة قوى اجتماعية وأيديولوجيات إثنية ودينية وسياسية، تدعو الناس إلى الممارسة والتمثيل بصيغ مبتذلة، ما يؤدي إلى تشويه الوجود المجتمعي سواء تحقق ذلك في تلوّث عمارة المدن أو في المصنّعات أو حتى في اللغة ذاتها.

13