حمدي المؤدب مهندس تألق الترجي التونسي الذي يتجنّب الأضواء

رجل الأعمال حمدي المؤدب الرئيس الصامت ولغز تداخل الرياضة بالسياسة والاقتصاد.
الأحد 2021/07/25
عين على المستقبل

من يشاهد تألق فريق الترجي الرياضي في الدوري التونسي والإشعاع الواسع الذي حقّقه من بوابة أفريقيا في السنوات الأخيرة يقرّ بأن النادي بات يتوفّر على جملة من الإمكانات اللوجستية والإدارية والمالية والفنية الهائلة، فضلا عن حنكة رئيسه حمدي المؤدّب الذي سخّر إمكاناته وضخّ أمواله خدمة لمصالح فريقه، ما جعله يحتل مراتب متقدمة ويحظى باحترام الجميع. المؤدب نجح في كتابة اسمه في سدّة رئاسة الترجي بحروف من ذهب، ووُفّق في إعادة هيكلة النادي على جميع المستويات، ما أسهم بشكل كبير في تحسّن النتائج وحصد الألقاب المحلية والقارية واعتلاء منصات التتويج في مختلف المسابقات والتظاهرات.

رجل الأعمال الذي يترأس الترجي منذ عام 2007 فاز النادي تحت قيادته بـ20 لقباً منها 10 بطولات للدوري التونسي، إلى جانب بطولتين عربيتين، فضلا عن التتويج بـ3 نسخ من مسابقة كأس رابطة الأبطال الأفريقية. ويعدّ الترجي الذي يُلقّب بـ”المكشخة” شيخ الأندية التونسية، فقد تأسس قبل قرن ونيف في حي باب سويقة بتونس العاصمة، وينشط في الرابطة التونسية المحترفة الأولى منذ 1936.

مجموعة المؤدب الاقتصادية تعدّ إحدى أضخم الشركات الاستثمارية التونسية الخاصة، فقد حققت معاملاتُها مبالغ تناهز 333 مليون دولار في عام 2020 وحده

كان المؤدب نفسه رياضياً، فقد لبس قميص نادي “الدم والذهب” في فرق الشباب خلال الفترة الممتدة من نهاية الستينات حتى مطلع السبعينات، حيث عرف بأسلوبه الفني والمهاري إلى جانب تسديداته القوية وحسن تمركزه على أرضية الملعب. ثم اضطر إلى إنهاء مسيرته الكروية في سن مبكرة لأسباب مهنية، بعد أن تولى إدارة شركة العائلة المختصة في إنتاج الحليب ومشتقاته، ولم تمنعه الظروف المهنية من شغل عدة مناصب في إدارة نادي العاصمة التونسية لثلاثة عقود، قبل أن يتولى قيادة السفينة. وعلى الرغم من أن الرئيس السابق للنادي سليم شيبوب قاد الترجي من قسم الهواية إلى نخبة الاحتراف في عالم الكرة، فإن المؤدب يعتبر بطل نجاحاته وتألقه قاريا ودوليا. وكان رحيل شيبوب قد أثار مخاوف جماهير الترجي التي كانت تخشى تراجع نتائج فريقها وهبوط مستواه، خصوصا وأنه كان أحد مهندسي الثورة التي عاشها النادي في تسعينات القرن الماضي.

العلاقة مع أسرة بن علي

يرأس المؤدب مجموعة “دليس – دانون” النشطة أساسا في إنتاج الحليب ومشتقاته والتي أسسها عام 1979 صحبة أفراد من عائلته. وفي بداياتها اختصت الشركة في صنع الألبان، وقد بدأت بطاقة إنتاج قوامها 20 ألف علبة في اليوم، ونمت الشركة خلال الثمانينات واستطاعت تدريجيا إزاحة الشركة التونسية لصناعة الحليب من المركز الأول في القطاع، وعام 1997 دخلت في شراكة مع “دانون”، كما تنوع نشاطها في التسعينات ليشمل إنتاج الحليب ثم الجبن، وقامت بإنتاج مشروبات “فيرجن” لفترة. وبخطواته الجريئة نجح المؤدب في تكوين إمبراطورية مالية كبيرة، بعد أن حوّل شركة العائلة إلى مجموعة شركات ذات مردود اقتصادي عال؛ إذ تعدّ مجموعة المؤدب إحدى أضخم الشركات التونسية الخاصة، وقد حققت معاملاتها مبالغ تناهز 333 مليون دولار في عام 2020 وحده. كما قامت بالاستثمار في بعض المناطق التونسية الداخلية عبر إنشاء وحدات إنتاج جديدة مختصة في صناعة الألبان وتعليب المياه المعدنية.

اقترب المؤدب من صهر الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، صخر الماطري، واشترك معه في أكثر من مشروع. وكان أحد المساهمين في مصرف “الزيتونة”، ثم كوّن مع الماطري وبسام الوكيل و”توركسال” تحالفا للحصول على الرخصة الثالثة للهاتف الجوال في تونس والتي آلت في الأخير إلى “أورانج” تونس. واستحوذ الثنائي على 25 في المئة من شركة الاتصالات “تونيزيانا” بعد اتفاقهما مع الشركة الوطنية للاتصالات على شراء حصة “أوراسكوم تيليكوم” في رأس مال المشغل الثاني للجوال في تونس.

قُرب المؤدب من صهر الرئيس الراحل بن علي، صخر الماطري، ولّد شراكة تجارية بينهما، فكان أحد المساهمين في مصرف "الزيتونة"، كما كوّن معه ومع بسام الوكيل و"توركسال" تحالفا للحصول على الرخصة الثالثة للهاتف الجوال في تونس

وفجأة -وبعد أن ظل لسنوات مجرّد واحد من ممولي الترجي اقتصاديّا- برز اسم المؤدب ليتم انتخابه رئيسا للنادي، وتمكن الفريق تحت رئاسته من رفع كأس تونس عام 2008 ، ثم فاز بلقب دوري أبطال العرب عام 2009 وبطولتي تونس 2010 و2011 تحت إشراف المدرب فوزي البنزرتي. وكان هدف المؤدب الرئيسي هو الفوز بلقب كأس رابطة الأبطال الأفريقية فقام الفريق بإبقاء نجم الهجوم مايكل إنرامو وباستقدام لاعبين مخضرمين مثل مجدي تراوي ومحمد الباشطبجي ووليد الهيشري وغيرهم، إلا أن الفريق رغم بعض العروض الجيدة أنهى المسابقة في المرتبة الثانية بعد انهزامه في النهائي أمام نادي مازمبي الكونغولي. ورغم كل تلك النجاحات أثار المؤدب آنذاك جدلا واسعاً بعد نشره في الصحف المحلية دعاية لصالح الرئيس بن علي باسم الترجي تدعم ترشحه في الانتخابات الرئاسية التونسية.

حفاوة قصر قرطاج

ترؤسه للترجي جعله محل اهتمام كافة الأطراف في تونس وصولاً إلى أعلى هرم السلطة
ترؤسه للترجي جعله محل اهتمام كافة الأطراف في تونس وصولا إلى أعلى هرم السلطة

الأوساط الرياضية في تونس تكاد تجمع على أن المؤدب يحظى بمكانة شعبية واسعة لا فقط من جماهير فريقه بل من مختلف أنصار النوادي الرياضية الأخرى. وعلى الرغم من شعبيته الواسعة في الأوساط الرياضية التونسية -والتي قد تمثل خزانا انتخابيا مهما- فضلا عن نفوذه المالي الواسع لم تغازل مغريات السياسة المؤدب فظلّ محافظا على أسلوبه المحايد في علاقته بالأحزاب السياسية والمناصب القيادية، على عكس عدة أسماء أخرى لجمعيات ونواد رياضية سرعان ما لبست “جبّة السياسة” وتقلدت بالموازاة مع وظيفتها الرياضية مناصب سياسية لأحزاب وكتل برلمانية.

حافظ الرجل على توجهاته الرياضية ولم يقدم نفسه كشخصية سياسية يمكن التعويل عليها، وواصل عمله في صمت من أجل فريقه، ما جلب له احترام الجميع؛ فترؤسه لفريق بحجم الترجي ذي القاعدة الجماهيرية الواسعة في مختلف أنحاء البلاد جعله محل اهتمام من كافة الأطراف، وصولاً إلى أعلى هرم السلطة السياسية في تونس، حيث استقبله الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي أواخر سبتمبر عام 2017 بقصر قرطاج، وتناول اللقاء أهم مستجدات الساحة الرياضية وأبرز السبل لتطوير قطاع الرياضة وتكوين نخبة وطنية قادرة على إعلاء راية تونس في التظاهرات الدوليّة. وأثنى الرئيس التونسي الأسبق على المجهودات والتضحيات التي يبذلها رؤساء الجمعيات الرياضية في تأطير وتربية الناشئة والسهر على تنقية الأجواء والالتزام باحترام الميثاق الرياضي والمنافسة النزيهة في كنف الروح الرياضية، فضلا عن العمل على توفير الظروف الملائمة للفرق التونسية لتمثيل بلادها أحسن تمثيل في المحافل القارية والإقليمية والدولية. وكان هدف قايد السبسي من اللقاء تشجيع المؤدب على مواصلة الاضطلاع بمسؤولياته على رأس فريق الترجي الرياضي التونسي، مثمّنا الدور المحوري الذي لعبه في إشعاع وتألّق النادي بمختلف فروعه وأصنافه، والذي انعكس إيجابيا على تألّق الرياضة التونسية بصفة عامة.

لعلّ ما يعزّز نجاح المؤدب -على عكس الكثير ممن يتسابقون على الظهور- رفضه الحضور في المنابر الإعلامية والحوارية، واشتغاله في صمت بعيدا عن التصريحات والتوضيحات والأضواء، حيث أدلى طوال فترة 14 عاما على رأس الترجي بحوار صحافي وحيد خلال عام 2008 للقناة التلفزيونية الخاصة “حنبعل” حتى بات يطلق عليه لقب “الرئيس الصامت”، نظرا لتفضيله الابتعاد عن الحوارات الصحافية والمقابلات التلفزيونية.

عين الخبير

الترجي الذي يقوده المؤدب فاز تحت إدارته، بـ 10 بطولات للدوري التونسي، إلى جانب بطولتين عربيتين، وتوّج بـ3 نسخ من كأس رابطة الأبطال الأفريقية.
الترجي الذي يقوده المؤدب فاز تحت إدارته، بـ10 بطولات للدوري التونسي، إلى جانب بطولتين عربيتين، وتوّج بـ3 نسخ من كأس رابطة الأبطال الأفريقية

يملك عينا فنية ثاقبة وخبرة كبيرة بعالم كرة القدم تجعله يتمسك بمتابعة اللاعبين الذين يرغب الفريق في التعاقد معهم قبل اتخاذ قراره النهائي بخصوصهم، ولهذا نجح في اكتشاف عدة مواهب تتمتع بإمكانات فنية عالية على غرار النجم السابق للفريق أسامة الدراجي الذي تلقبه جماهير النادي بـ”دراجينو”، والموهبة الصاعدة محمد علي بن رمضان. ورغم كل ما حققه المؤدب إلا أنه عينه تبقى متجهة نحو المستقبل، لذلك يولي اللاعبين الشباب اهتماما كبيرا ويحرص على متابعة مبارياتهم بشكل دوري.

المؤدب يبدو شغوفاً بما يفعله إلى أبعد الحدود، فهو يملك حظيرة تضم عددا كبيرا من الخيول، يشارك بها في السباقات المحلية والخارجية، ومن شدة تعلّقه بالترجي أطلق على خيوله أسماء لاعبين من النادي، على غرار “إينرامو” و”الدراجي” و”الحمروني” الذين حصدوا عدة جوائز تونسية وعالمية.

وفي الفترة الأخيرة تسرّبت أنباء غير مؤكدة في وسائل الإعلام، تفيد بأن المؤدّب يلوّح بمغادرة منصبه ومنح الفرصة لمن يرغب في تولي مهامه، إثر انزعاجه من حملات تشنّ ضده على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب النتائج غير المرضية التي أدت إلى مغادرة النادي لدوري أبطال أفريقيا مؤخراً، وتسبّبت بتغييرات هامة في الهيكل الإداري المشرف على الترجي.

08