"صرخة مفتول العضلات" فيلم يذكرنا بكلينت إيستوود أشهر كاوبوي أميركي

ديك خارق ينقذ رجلا مسنا وطفلا مختطفا من العصابات.
الأحد 2021/09/26
كلينت إيستوود هنا ليس فارسا بلا منازع

يثبت الممثل والمخرج الأميركي كلينت إيستوود في كل مرة أنه الممثل البارع والمخرج المختلف عن غيره، وها هو في فيلمه الجديد “صرخة مفتول العضلات” يقدم دورا يذكرنا بأدواره السابقة، لكن الفارق أنه هذه المرة قد تجاوز التسعين من العمر، فيما لم يفقد قدرته على أداء الأدوار الصعبة.

في ما يشبه المشاهدة الاستعادية لشخصية متأصلة في المشهد السينمائي المعاصر ويشكل حدثا لافتا للنظر ظهور الممثل والمخرج الأميركي كلينت إيستوود، خصوصا ونحن نشاهده وقد تجاوز التسعين عاما من العمر وبعد قرابة الثمانين فيلما والعديد من الجوائز والتكريمات، ومنها جوائز الأوسكار، وحياة رجل ثري أنجب عددا كبيرا من الأبناء وما لا يحصى من الزيجات والعلاقات.

ها هو إيستوود في فيلم “صرخة مفتول العضلات” ممثل ومخرج يقدم نفسه متحديا مشاعر ومظاهر الشيخوخة ومتحاملا على نفسه لتقديم مشاهد تجسد كهولته التي لا تريد الاستسلام حتى ولو عصت عليه مرونة الحركة واحدودب الظهر وبدت مشاهد الحركة بالنسبة إليه مستحيلة ليواريها بالمونتاج وبأية حلول أخرى.

رحلة وصراع

إيستوود سعى في هذا الفيلم لإعادة تقديم أجواء افتقدتها السينما، ومنها الحياة البسيطة القائمة على المغامرات

في هذا الفيلم الذي يعرض على الشاشات الآن يجسد إيستوود دور مايك، راعي البقر السابق الذي مازال يحتفظ بقبعة الويستيرن ليذكرك بـ”هاري القذر” و”الجيد والسيء والقبيح” و”بريزي” و”الهروب من الكاتراز” و”فايرفوكس” و”الصياد الأبيض والقلب الأسود” و”على خط النار” و”كاوبوي الفضاء” و”جريمة حقيقية” و”الطائر والقناص الأميركي” وغيرها الكثير من الأعمال قدمها ما بين ممثل ومخرج، وكأنه جاء ليكمل المهمة ولن يفارق الخيل ولا حس المغامرة.

إنه هنا ليس فارسا بلا منازع بل يلتقط نتفا من ماضيه السعيد والتعيس على حد السواء ليقدم لنا ما يشبه حكاية طريق تقع ما بين إحدى المدن المكسيكية وبين تكساس بالولايات المتحدة، وهو واقعيا يقوم بمهمة وفاء لصديقه الذي ساعده في محنته بعد فقد زوجته وأطفاله في حادث، ليجلب له ابنه الذي وقع ضحية خلاف بين الأب الأميركي والأم المكسيكية.

يتحول مايك إلى منقذ لذلك الفتى من فرط ما يتعرض له من إهانات وشقاء نفسي من طرف أمه ومن يحيط بها من تجار مخدرات وعشاق وما شابه، ولهذا يلجأ إلى صراع الديكة من خلال مسابقة يرتزق منها، ومن خلال الديك كوتشو شديد الذكاء الذي سوف يصبح خارقا فيما بعد ويخلص مايك والصبي من ملاحقة أحد أفراد العصابة المرتبطة بالأم.

تسير الأحداث ببساطة تامة وفي أجواء مفتوحة عبر طرق قريبة من الحدود مع الولايات المتحدة وعلى الجانب المكسيكي حيث تتناثر قرى ودكاكين ومطاعم وفنادق صغيرة على الطرق. وها هما مايك والصبي يكتشفان بعضهما البعض وهما في تلك الرحلة التي تجري وقائعها في السبعينات من القرن الماضي، وكلما فقدا السيارة التي يتنقلان بها وجدا أخرى قديمة وهما يمضيان في طريقهما إلى الحدود.

يقدم الفيلم علاقات إنسانية شديدة البساطة عندما يجد ذلك الصبي في مايك حسا إنسانيا طالما افتقده وكذلك الحال مع إيما، التي تدير مطعما وتربي أحفادها بعد موت والديهم، وهو ما يجعلهما قريبين من بعضهما البعض ومن ثم من الأطفال الصغار، بل إن مايك سوف يتحول إلى معالج للحيوانات وهو في تلك الرحلة.

الحياة البسيطة

واقعيا سعى إيستوود في هذا الفيلم لإعادة تقديم أجواء افتقدتها السينما ومنها الحياة البسيطة والقائمة على المغامرات تلك التي تميزت بها الكثير من أفلام الويستيرن، إذ أن القصة برمتها مكرسة للصراع بين الأخيار والأشرار. وهنا تبدو المعالجة الفيلمية تسير بنفس المسار إلى حد ما، إذ يسعى مايك لإعادة تقديم تلك الأجواء من خلال تصديه للمجموعة التي تحتفظ بالصبي وعلى رأسها أمه نفسها التي تحذر مايك من أخذ الابن.

والحاصل أن إيستوود في ذلك الدور قدم أقصى ما يمكن تقديمه، وكان متأنيا في عدم المبالغة بقدراته الحركية، وقد بدت الشيخوخة واضحة على حركته ونبرة صوته ومثله لا يقدم على هذا الظهور في فيلم من أفلام الطريق يتطلب محطات عدة، ولا يخلو من اشتباكات وصراع ووصولا إلى ركوب الخيل بل والأدهى من ذلك ترويض الخيول الجامحة المعروفة بسباقات الروديو.

الفيلم لا يضيف الكثير لمسيرة إيستوود، بل إنه امتداد لتلك المسيرة وربما للتأكيد وتذكير الجمهور وشركات الإنتاج وغيرهم بأنه مازال حيا يرزق

بالطبع يحمل الفيلم من فرط بساطة الحبكة الرئيسية وحبكاته الثانوية الكثير من المعاني التي تدهش مايك، وخاصة شخصية مارتا وبائع الخيل وغيرهما، وحتى مدير الشرطة بدا بسيطا إلى درجة السذاجة؛ إذ جلب كلب زوجته المريض ليتفحصه مايك الذي يعلن عجزه عن معالجة الكلاب المريضة، ومن فرط بساطة الطرف الآخر يوصي برعاية الكلب والعطف عليه وأن يسمح له بالنوم إلى جانب الزوج والزوجة على سرير واحد.

هنا يمكن تلمس نوع من الصورة النمطية لشخصية الآخر وهو هنا المكسيكي الذي يتميز بالبساطة إلى درجة السذاجة من جهة، وأن رجال الشرطة ما هم إلا ثلة من المرتشين والذين يمكن خداعهم بسهولة، ونلاحظ هذا مثلا في تنمر رجل الشرطة عند عبور مايك في مقابل إطرائه ثلة من الفتيات العابرات.

لا يضيف هذا الفيلم بشكل عام الكثير لمسيرة إيستوود، بل إنه امتداد لتلك المسيرة وربما للتأكيد وتذكير الجمهور وشركات الإنتاج وغيرهم بأنه مازال حيا يرزق وبأنه حتى وهو في شيخوخته وقد تجاوز التسعين من العمر يمكن أن يمثل ويلاكم ويرقص، وكأن الفيلم من جهة أخرى مجرد وصلة دعائية وتذكير بإيستوود الكاوبوي الشهير لا أكثر.

15