عبدالله بوحبيب اقتصادي مخضرم على رأس الدبلوماسية اللبنانية

خبير "الضوء الأصفر" حاملاً تناقضات مهمّته المستحيلة.
الأحد 2021/09/26
كيف يجلب للبنان حلولاً إنقاذية

يريد لبنان إجبار الواقع السياسي على السير عكس المنطق، وبالضد من مصالح الدول التي يستهدفها المهيمنون على هذا البلد الصغير، وفي الوقت ذاته يتوقّع منهم أن يقدموا له الدعم المفتوح لإنقاذه من أزماته، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية التي بلغت حد الانهيار.

وبعد مخاض طويل، ولدت حكومة في عهد الرئيس ميشال عون، قبل بترؤسها رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي، ونجح حتى الآن في عبور العديد من العقبات التي تصدرتها طبيعة العهد الذي يسمى بـ”القوي“، والذي لم يزد لبنان إلا ضعفاً، بتسليمه قيادة البلد بالكامل لحزب الله ومن خلفه إيران.

تشكيلة حكومة ميقاتي تتحدث عن نفسها بصراحة، فواجهتها الإعلامية جورج قرداحي الذي لا يخفي تعاطفه وعلاقته الوثيقة مع حزب الله وإيران ونظام الأسد، بينما يقود الدبلوماسية فيها رجل اقتصاد، في رسالة من اللحظة الأولى قال فيها ميقاتي للعالم نريد علاقات سياسية خارجية ”نافعة“ اقتصادياً، لا مجرّد شعارات داعمة.

وهذا ما سينفذه حسب الأجندة، وزير الخارجية عبدالله بوحبيب. ويبدو هذا الاقتصادي الذي عاد إلى الدبلوماسية بعد ثلاثين سنة من هجرها، أكثر إصراراً من ميقاتي على إعادة ترتيب العلاقات الخارجية للبنان.

بين القيم والمصلحة

لبنان يأتي في أدنى الاهتمامات السعودية، حسب بوحبيب، لأن الرياض كما يقول، تدرك صعوبة تغيير توازناته
لبنان يأتي في أدنى الاهتمامات السعودية، حسب بوحبيب، لأن الرياض كما يقول، تدرك صعوبة تغيير توازناته

درس بوحبيب في الجامعة الأميركية في بيروت، وحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة فاندربيلت في ناشفيل، تينيسي. وعيّن في البنك الدولي كخبير اقتصادي منذ أواسط السبعينات، ثم ترقى حتى وصل إلى منصب كبير مسؤولي القروض في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يعرف الولايات المتحدة جيداً، فقد ألّف عنها كتاباً هاماً كان عنوانه "أميركا القِيَم والمصلحة - نصف قرن من السياسة الخارجية في الشرق الأوسط". ولذلك كان من الطبيعي أن يبقى خلال الفترة الحساسة منذ مايو 1983 إلى فبراير 1990 سفيرا للبنان في واشنطن.

تغيّرت الأمور مطلع التسعينات، فبعد انطلاق اتفاق الطائف، لم تعد وجوه العهد الماضي قادرة على مواصلة القيام بأدوارها، ولذلك غادر بوحبيب سفارة لبنان في أميركا، ووضع كتاباً بعنوان لافت أيضاً “الضوء الأصفر -  سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان” يعرض فيه السياسة الأميركية حيال بلاده.

 وانطلق إلى عمله القديم في البنك الدولي، مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط. ثم عاد إلى لبنان بعد عشر سنين مستشاراً لعصام فارس نائب رئيس الوزراء اللبناني آنذاك، ليعيّن رئيساً لـ”مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية». وبقي يحاضر في جامعة الحكمة منذ العام 2002 وحتى قرّر عون خوض معركته من أجل الوصول إلى سدة الرئاسة في قصر بعبدا، حينها كان بوحبيب أحد العقول الستة التي مهّدت الطريق أمام عون.

خرائط الوزير

تناغم بوحبيب مع النهج المعتاد الذي اتبعته دمشق مع لبنان برز جلياً في حيثيات لقائه بالسفير عبدالكريم
تناغم بوحبيب مع النهج المعتاد الذي اتبعته دمشق مع لبنان برز جلياً في حيثيات لقائه بالسفير عبدالكريم

أتت أولى تحركات بوحبيب وسط خرائط معقدة، بالانفتاح على العديد من الدول ذات الأهمية بالنسبة إلى لبنان، فالتقى بالمنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا التي لم تضيع الفرصة لتذكير الوزير بوحبيب ببرنامج الأمم المتحدة للعام الجاري والقادم، موضحة أن التركيز سيكون على أهمية إجراء الانتخابات النيابية والدعم المطلوب من الأمم المتحدة ودور المغتربين في هذه الانتخابات ومشاركة الشباب فيها أيضا، مضيفة قولها ”نود أن تحترم الدستور والقانون الانتخابي”.

كما توجه بوحبيب نحو المكان غير المتوقع من رجل مثله، حين قابل سفير روسيا ألكسندر روداكوف، وناقش معه ما سمّاه الطرفان ”الأزمة“ معربين عن تمنياتهما بأن تعود العلاقات إلى ما كانت عليه قبل وقوعها.

إلا أن أهم الخطوط التي بدأ بوحبيب برسمها كانت عبر لقائه سفيرة الولايات المتحدة في بيروت دوروثي شيا، حيث بحث معها في العلاقات الثنائية وترسيم الحدود، ودعم الجيش اللبناني، إلى جانب مسألة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. يضاف هذا اللقاء إلى اجتماع بوحبيب مع سفير الصين لدى لبنان جيان مينيجيان الذي أبلغه تقديم بلاده لـ300 ألف لقاح  لمحاربة جائحة كورونا.

الجار السوري

تشكيلة حكومة ميقاتي تتحدث عن نفسها، فواجهتها الإعلامية جورج قرداحي الذي لا يخفي تعاطفه وعلاقته الوثيقة مع حزب الله وإيران ونظام الأسد
تشكيلة حكومة ميقاتي تتحدث عن نفسها، فواجهتها الإعلامية جورج قرداحي الذي لا يخفي تعاطفه وعلاقته الوثيقة مع حزب الله وإيران ونظام الأسد

يحاول بوحبيب في ما يبدو الخلاص من تركة خلفها له سلفه جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر، والذي خيّمت شخصيته على وزارة الخارجية طويلاً، وشهد لبنان خلال فترة توليه لهذه الحقيبة العديد من الاضطرابات على مستوى علاقاته مع الدول العربية والعالم.

غير أن هذا لم يمنع الوزير الجديد من مد اليد إلى السفير السوري في بيروت علي عبدالكريم علي الذي قال بعد اللقاء إن “الوزير بوحبيب رأى إمكانية كبيرة لتثمير التعاون بين البلدين وأنا بدوري قلت له بأن سوريا أمس واليوم وغدا ترى أن ما يُسيء إلى لبنان يُسيء إليها والعقوبات التي فُرضت على سوريا أصابت لبنان بالأذى وربما بنسب متقاربة“.

التحدي الذي يواجه بوحبيب في ما يبدو هو الخلاص من تركة خلفها له جبران باسيل، والذي خيّمت شخصيته على وزارة الخارجية طويلاً، وشهد لبنان خلال فترة توليه لهذه الحقيبة العديد من الاضطرابات على مستوى علاقاته مع الدول العربية والعالم

والأمر الذي يبدو أنه استمرار للنهج الذي اتبعه النظام السوري في تعامله مع لبنان، برز جلياً في قول السفير عبدالكريم أنه لم تتم مناقشة أيّ جدول زمني لترسيم الحدود

بين البلدين، وهي استجابة متكررة لمطلب أمني استراتيجي لحزب الله يخوّله من التشبث بمزارع شبعا وتكريس التهديد لشمال إسرائيل من جهة، والقول إنه في حالة حرب باردة معها. علاوة على تجميد موضوع الحدود البحرية مع سوريا حيث الغنيمة المتوقعة من الغاز في المتوسط.

أما ما جاء من أجله بوحبيب، وهو مد جسور سياسية اقتصادية مع الدول العربية، فيمكن فهمه من خلال ما كتبه بنفسه عن المملكة العربية السعودية في السابق، ففي مقال له نشر عام 2015 قال بوحبيب تحت عنوان ”السعودية والزمن الصعب“ إن قلق الغرب حيال السعودية نابع من كونها تواجه مشاكل داخلية وخارجية جمّة، وبعضها يصعب حله. ففي الداخل تواجه، أولاً، كما يعتقد المراقبون لأحوال السعودية ودول الخليج، مسألة الخلافة وقضايا اجتماعية وديموغرافية ومذهبية تتطلب معالجتها في المستقبل القريب“، وأضاف بوحبيب ”إن عدد سكان المملكة تزايد كثيراً في العقود الماضية وارتفع بين عامي 1975 و2014 من أقلّ من عشرين مليون نسمة إلى حوالي ثلاثين مليوناً ما يزيد من أزمة البطالة. وهناك أيضاً قضية السعوديين الشيعة وإمكان احتوائهم وطنياً والسماح لهم بممارسة شعائرهم الدينية والمحلية بحريّة“.

أما بخصوص تصوراته حول الأوضاع الخارجية للسعودية فيرى بوحبيب أن القضايا الخارجية التي تواجهها المملكة ”معقّدة وصعبة وذات طابع سياسي وأمني تبدأ في اليمن، وتمتد إلى معظم الدول العربية والإقليمية. فالسعودية تقود المحور العربي في المنطقة، بينما تقود إيران وتركيا وإسرائيل المحاور الثلاثة الباقية وكلها متناحرة. المشكلة الأكبر التي تواجه المملكة في اليمن حيث يسيطر الحوثيون، حلفاء إيران“.

النظرية التي ينطلق منها وزير الخارجية اللبناني الجديد إلى الإقليم، قائمة على فهمه طائفياً، أكثر، لا اقتصادياً كما يوحي تخصصه، فبينما يحلل حدود النفوذ والصراعات في المنطقة يقرّر أن السعودية اليوم، تحاول بمساعدة أميركية، تسليح القبائل السنية في وسط العراق وتأمل بإنشاء إقليم سني، على غرار الإقليم الكردي، يكون صديقاً لها، وربما فاصلاً بين شيعة إيران والعراق من جهة، والنظام السوري وحزب الله من جهة أخرى“.

إسرائيل تقول إن بوحبيب عقد اجتماعاً هاماً مع بنيامين نتنياهو. بينما ينكر بوحبيب ذلك، ويبرّر بأن لقاءاته مع الرجل كانت فقط في الحفلات، وكذلك في مجال عمله في البنك الدولي

وفيما يبدو أنه اكتشاف، يقول بوحبيب إن لبنان يأتي في أدنى الاهتمامات السعودية، لأن المملكة تعرف صعوبة تغيير التوازنات بين المكوّنات اللبنانية القائمة. فهو إذاً يتحدّث عن لبنان مغلق على مشاكله، غير قابل للحلحلة. يرى بوحبيب ذلك كله، بينما يعلن بعد لقائه مع السفير الإماراتي في بيروت فؤاد شهاب دندن حرصه على أفضل العلاقات مع الأشقاء العرب.

في الماضي كان بوحبيب كتائبياً، لكنه غادر هذا الحزب الذي مثّل المارونية المسيحية اللبنانية تاريخياً، ليدخل في طور أيد فيه القوات اللبنانية وقاد تظاهرات للقوات في الولايات المتحدة وجمع التبرعات لها، لكن يبدو أنه صار مع الوقت عونياً في مسار يكاد يشبه مسيرة تيار عون ذاته، بل أخذ يروّج لعون في الولايات المتحدة وأوساطها.

يقول في حوار أجري معه قبل سنوات ”أنا أصلا كتائبي، لكن بعد ما انتهت مهمتي بالسفارة، واصلت أنا في طريق الاستقلالية عن الكتائب، تعلمت كثيراً وتثقفت كثيراً بالسفارة وصرت أرى الأشياء بغير منظار، عملي مع البنك الدولي كان مهماً جدا، كنت أسافر حول العالم العربي من المغرب إلى إيران، من غير المعقول أن تبقى متقوقعاً في بلدك تفكر تفكيراً ضيقاً“.

ومن خلال رؤيته تلك يتبنى ذلك الفكر الذي ينادي بلبنان مستقل يصفه بالقول ”لبنان سيد مستقل، سيد مستقل يعني أنه لا حاكم عكا ولا حاكم الشام، ولا الإسرائيليون اليوم ولا السوريون يتدخلون بشؤوننا“.

سر العلاقة مع نتنياهو

النظرة التي يرى بها بوحبيب الإقليم، قائمة على فهمه طائفياً لا اقتصادياً كما يوحي تخصصه
النظرة التي يرى بها بوحبيب الإقليم، قائمة على فهمه طائفياً لا اقتصادياً كما يوحي تخصصه

ذكرت الإذاعة الإسرائيلية في إحدى نشراتها الصباحية نقلا عن المراسل السياسي لإذاعة الجيش أن سفير لبنان في واشنطن بوحبيب اجتمع مع بنيامين نتنياهو الوزير المفوض في سفارة إسرائيل في واشنطن واقترح عليه أن تبدأ حكومتا لبنان وإسرائيل فورا بمفاوضات مباشرة. أنكر بوحبيب ذلك، وبرّر بأن لقاءاته مع نتنياهو كانت فقط في الحفلات، وكذلك في مجال عمله في البنك الدولي بشأن فلسطين.

غير أن بوحبيب لم ينكر علاقته مع زعماء الجالية اليهودية في أميركا، باعتبارهم كما قال ”أكبر المؤثرين على السياسية الأميركية في الشرق الأوسط“.

حين يتولى رجل اقتصاد وسياسة مثل بوحبيب حقيبة الخارجية في لبنان، لا يعرف أحد كيف سيترجم تلك الأفكار المتناقضة كلها، وفي الوقت ذاته كيف يجلب للبنان حلولاً إنقاذية؟ هذا هو السؤال الذي يعتبر تحدياً أمام بوحبيب وأمام ميقاتي الذي اختاره، أو الذي وافق على تسميته وزيراً للخارجية.

8