مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية يجابه صراع الحضارات بالسينما

الطاهر الحوشي: الأفلام ترتحل من مكان إلى آخر دون جواز سفر.
الخميس 2021/07/29
التاريخ يكتبه السينمائيون

تسعى بعض المهرجانات السينمائية لإيجاد مساحة من الحوار الفني والثقافي بين الأفلام التي تعرضها في دوراتها المتتالية، ومن هذه المساحات الحوارية السينمائية مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية الذي أنهى دورته السادسة عشرة مؤخرا، ويعتبر فعالية سينمائية نشطة في خارطة المهرجانات العالمية التي تقدّم السينما الشرقية للغرب الأوروبي وتخلق حالة تفاعل معه. عن المهرجان ونُظم عمله وآفاقه كان لـ”العرب” لقاء مع مؤسّس المهرجان ومديره الفني السينمائي الجزائري الطاهر الحوشي.

ينظر منظمو مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية إليه على أنه مساحة حوارية لتلاقي الحالات الإبداعية من الشرق والغرب. فالمهرجان الذي يقوم على رئاسته السينمائي الجزائري الطاهر الحوشي يراهن على أن يكون منصة لوجود هذا الحوار الذي يقدّم وجهات نظر مختلفة ويمكّن كل الفاعلين فيه من معرفة الآخر بشكل أكثر عمقا وجدية.

ففي المهرجانات السينمائية يلتقي السينمائيون إبداعيا من خلال أفلامهم وكذلك حضورهم الشخصي في أروقة المهرجانات، حيث يتبادلون الخبرات ووجهات النظر في شؤون الفن السينمائي. وهذا ما يمكّن كلا الطرفين من تغيير وجهة النظر النمطية التي تحكم العلاقة بينهما من خلال موروث تراكمي من الأفكار السابقة.

فالغرب يمتلك أفكارا مسبقة عن الشرق، وبعض من شرائحه ونخبه الفكرية والسياسية ينظر إليه على أنه مصدر أساسي للتشدّد والعنف في العالم، بينما ينظر الشرق إلى الغرب على أنه مصدر أساسي للتفسّخ الأخلاقي والاجتماعي والسياسي وأنه المصنّع الأكبر للأفكار الاستعمارية في التاريخ البشري. لذلك كان لا بد من وجود مساحات ثقافية وسطى تعمل على عرض أفكار كل طرف منهما في إطار فعالية إنسانية تمكن من طرح حوار هادئ بينهما يوصل إلى المزيد من التعمّق في معرفة الآخر والتكامل معه.

الطاهر الحوشي: نتعامل مع التراث بنقد بناء، فليس كله صالحا لوقتنا الحالي
الطاهر الحوشي: نتعامل مع التراث بنقد بناء، فليس كله صالحا لوقتنا الحالي

تجربة مهرجان جنيف

في خطوة جريئة في مسلك بناء هذا الحوار ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب من خلال مساحة سينمائية، كانت تجربة مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية الذي بني على أن يكون جسر تواصل بين الحضارات ونقطة التلاقي بين الشرق والغرب من خلال الفن السابع.

وعن ذلك يقول الحوشي في حواره مع “العرب”، “بالتأكيد، نحن نتشارك في هذا الحوار الحضاري، فالمهرجان ليس لعرض الأفلام فحسب. منذ البداية وضعنا فلسفة خاصة بنا تقوم على أن الصراع بين الحضارات يوصلنا إلى الحروب، فالنظرة هنا خاطئة بحق البشر والتاريخ”.

وهو يرى أن الصراع الحضاري ليس حقيقيا، ولكنه خيالي، فعبر التاريخ غذّى الشرق الغرب حضاريا، والعكس صحيح أيضا. ويستشهد السينمائي الجزائري بقوله “في اللغة الإسبانية والفرنسية هناك كلمات عربية، وهناك مشاهير من الغرب من أصول شرقية وهناك المستشرقون أيضا الذين تفاعلوا مع الحياة الثقافية الشرقية بكثير من الاهتمام. لو آمن الناس بالحوار لما كانت هناك حروب. الاحتكاك بين الحضارات يخلق مساحة من الحوار يتم فيها تبادل الأفكار. ولو استطاع كلا الطرفين تجاوز الحدود الحضارية الوهمية التي وجدت يوما واتفقوا على التحاور في مساحات مشتركة لكان الأمر أفضل”.

ويسترسل “الأفلام توصلنا لإيجاد هذه الحالة التشاركية من التفاعل. السينما فن ليس له حدود. هي كالأفكار، كالهواء، ترتحل من مكان إلى آخر دون جوازات سفر، وهي تسعى لتحقيق أهدافها دون حسابات ولا حساسيات. عندما تعرض الأفلام في المهرجانات يحضر فنانون وإعلاميون ونقاد من الشرق والغرب. وبالتالي يمكن اعتبار المهرجانات نافذة يتم عبرها هذا التلاقي. ومن خلالها ينظر الفنان الغربي للشرق بصورة أفضل”.

ويؤكّد السينمائي الجزائري “الفيلم ينتج على فترات طويلة وينقل حضارته إلى البلدان الأخرى بشكل واضح، وهو أمر غير متاح في محامل أخرى. فالفيلم عندما يعرض في مهرجان سينمائي يتعرّف عليه الناس والإعلاميون والنقاد ويشرعون في طرح أسئلة تخصّه. وهذا هو الهدف الأسمى للسينما”.

وينتصر الحوشي للفنان في كل الحالات الذي يقول عنه “الفنان يحمل لغة الصدق الإنساني وليس كالسياسي يحمل غالبا ما هو خلاف ذلك”. ويضيف “نعيش الآن حراكا سياسيا حارا، والتاريخ يكتب من قبل الجميع، وعلى السينمائيين أن يقدّموا ما استطاعوا من جهد لتثبيت وجهات نظرهم الخاصة”.

والطاهر الحوشي ناقد ومخرج جزائري، عضو في الجمعية السويسرية للصحافة السينمائية، وهو المُؤسّس والمدير الفني للمهرجان الدولي للفيلم الشرقي في جنيف، أخرج فيلمين قصيرين، “يدير” عام 2012، والذي يعتبر الجزء الأول من ثلاثية حول الطفولة، وفي العام 2013 أخرج “كوسيلا” الجزء الثاني من الثلاثية، وهو في طريقه الآن لإنجاز “ماسينيسا” الجزء الثالث والأخير من الثلاثية.

تلاقح فكري

مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية يهدف إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف وقبول الآخر من بوابة السينما القادرة على دعم حوار الحضارات
مهرجان جنيف الدولي للأفلام الشرقية يهدف إلى ترسيخ ثقافة الاختلاف وقبول الآخر من بوابة السينما القادرة على دعم حوار الحضارات

يمتلك الحوشي الذي أتى من دراسة الفلسفة ثم الصحافة والكتابة عن السينما، تنوّعا ثقافيا وعرقيا ودينيا فريدا، حيث يجتمع فيه الأمازيغي بالعربي والجزائري بالسويسري، والمسلم المنفتح على المسيحية واليهودية والبوذية، متجاوزا بهذه التشكيلة حدود الأديان والأعراق، التي يرى فيها نقطة توهّج إنسانية وإبداعية.

ويعترف “هذا ما يجب أن يكون عليه الشخص عندما يعمل في الشأن الثقافي، فالتراكم الثقافي هو الأساس الذي يغذّي الروح الثقافية لدى أيّ شخص. والناس دائما في حراك معرفي حتى في حالات المعارك والحروب، وهذا ما سجله التاريخ على مرّ العصور، والمعرفة لم تتوقّف رغم الظروف الإنسانية الصعبة”.

بوجهة نظر فلسفية يقول الحوشي “حفل التاريخ العربي بتمازج بين العديد من المكونات الحضارية، وساهم العرب في نقل معارف الغير، فظهرت ترجمات المفكرين من الفلسفة اليونانية القديمة، وظهرت علوم ابن الهيثم وغيره، وفي الأندلس اندمج المسلمون مع الإسبان وبنوا معرفة جديدة، فكان ابن رشد وزرياب وعباس بن فرناس وغيرهم. وكانوا جذرا علميا للجميع سواء كانوا عربا أو أمازيغ أو مسلمين أو مسيحيين وغير ذلك، وهذا ما هو عليه العالم اليوم”.

ويرى الحوشي أن الاندماج السريع هو خير وسيلة لتحقيق التلاقح الفكري بين المقومات الحضارية المختلفة، معلّلا رأيه بقوله “هناك قيم ومبادئ جديدة في المغترب يجب أن تُصان وتحترم، وسيكون التواصل الإنساني أسمى في ظل ثقافة تحترم التعدّد والاختلاف بكل أطيافه، وطالما عمل الإنسان على بناء مجتمع حضاري في المكان الذي رحل إليه، مستفيدا ممّا يعرفه في وطنه الأصلي، فسيكون ذلك أفضل له وللمجتمع الذي بات منتميا إليه وفاعلا فيه. فتعدّد المشارب الثقافية يجعل المرء أكثر مرونة في تقبل الآخر وفهمه والتفاعل معه”.

ولأن الحوشي هو ابن الثقافة الجزائرية التي حقّقت المكانة الأهم عربيا وأفريقيا على منصة التتويج العالمي في الجانب السينمائي، سألته “العرب” عن مكانة السينما الجزائرية في الخارطة العالمية اليوم؟

فقال “السينما الجزائرية محور ثقافي هام في الحراك الحضاري لكل الجزائريين. وهي التي بدأت مع حرب التحرير الوطنية، فاعتمدت النخب السياسية عليها لتوصيل رسائلها، وقدّمت السينما ذلك. في الجزائر مشت السينما مع السياسة وواكبتها، فكانت مهتمة بمعاناة الناس وآلامهم أثناء الحرب الوطنية، وهو نفس توجه النخب السياسية، خاصة في ظل وجود النظرية الاشتراكية التي كانت رائجة في العالم حينها”.

ويسترسل “أما في مرحلة ما بعد الثمانينات، فقد غيّرت السينما الجزائرية من توجهها، فخرجت من عباءة السياسة، وظهرت مبادرات فردية مستقلة أوصلت السينما الجزائرية إلى منصات التتويج العالمية”. وهو يقرّ بأن “السياسة الجزائرية عموما ساندت السينما ووجدت فيها وسيلة لإيصال أفكارها التي تؤمن بها، وهو تيار جاء مع بعض الشباب الذين درسوا السينما في الاتحاد السوفييتي سابقا وأتوا بنظرياته”.

السينما ما انفكت تقدّم عزفا بصريا جماعيا على وتر التواصل الفني بين الحضارات، في ترسيخ جاد لثقافة الاختلاف وقبول الآخر

ومع ذلك يتعامل الحوشي مع هذا التراث السينمائي الجزائري بعين الناقد الموضوعي الذي يعطي لكل ذي حق حقه ويقف عند الأخطاء أو الهفوات، حيث ينظر إلى الفيلم ضمن إطار موسّع يشمل موقف المخرج ومكانه وزمانه بعيدا عن التقييمات الارتجالية والمزاجية، مقرّا بأن السينما الجزائرية في عمومها متأثرة بالسينما الأوروبية، خاصة السوفييتية والفرنسية، لكن هذا لا يلغي استحقاقها وتميّزها وفرادتها بأي شكل من الأشكال.

وحول موقفه من التراث والتفاعل معه في وقتنا الراهن، يُقول السينمائي الجزائري “نتعامل مع فكرة التراث من يقين راسخ، هو أن لكل شكل فني وجوده ضمن سياقه الزمني والمعرفي والتاريخي. وكل فن يناسب زمنه، وهو بالتأكيد لا يناسب كل مكان وزمان، فأجدادنا قدّموا أشياء حضارية عظيمة. لكن ليس كل التراث صالحا لوقتنا الحالي، فتعامل أطفالنا مع الأجهزة التقنية وشبكات التواصل الاجتماعي بات أساسيا اليوم، الأمر الذي لم يكن موجودا عند السلف”.

16